يستند التوازن الدولي، الذي تصنعه العلاقات المعقدة بين دول العالم، إلى حجم النفوذ الذي تمتلكه كل دولة أو كل مجموعة من الدول، إقليمياً وعالمياً. وهذا التوازن، وليد نظام من نوع خاص، يتشكل وفق قواعد معينة، ويعتمد على ركائز متنوعة، منها ما هو تأريخي أو جغرافي، ومنها ما هو ثقافي وتراثي، إلا أن أبرز هذه الركائز هو الاقتصاد المتين والقوة العسكرية.
وقد تعرض هذا النظام إلى تغيرات شتى عبر التأريخ بسبب التغيرات المستمرة في الخرائط الجغرافية والسياسية إثر صعود إمبراطوريات إلى قمة الهرم وهبوط أخرى إلى قاعه في مختلف أنحاء العالم. وفي أغلب الأحايين تحدث التغيرات الكبيرة في معالم هذا النظام.
حين لا تجد التناقضات التي تتراكم في أطره غير مسارات الحروب الكبيرة لتنفيسها كما حصل في نهاية الحرب العالمية الثانية أو في نهاية الحرب الباردة. فالأزمات الخطيرة تعصف عادة بالنظام القائم لتحل بديلاً عنه نظام آخر يخلق ويديم توازنات جديدة تتسق وتنسجم مع طبيعة القوى المنبثقة من الصراعات أو الأزمات.
النظام العالمي الجديد الذي نعيشه منذ انتهاء الحرب الباردة، في ظل سيادة قوة واحدة في العالم، هو الذي يرسم سمة العصر وملامحه ويحدد أطر الاستراتيجيات التي ترسم محلياً أو إقليمياً من قبل دولة واحدة أو مجموعة دول، في خيمته إقراراً به، أو خارجها تمرداً عليه. ويعرض هذا النظام نفسه، على مستوى العالم، قوة فاعلة تفرض حلولاً لأزمات قائمة وتوفر علاجاً مؤقتاً لبعضها، وتخلق كذلك أزمات أخرى.
خلق هذا النظام، منذ انبثاقه، من الأزمات أكثر مما أسهم في حل ما كان قائماً منها، وفشل في تقديم حلول لأزمات أخرى مزمنة، في مناطق عديدة من العالم، أصبحت، بسبب قدمها، مصدر عدم استقرار، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر أهمية على المستوى العالمي لوجود معظم الخزين النفطي فيها.
تفجيرات مجنونة في مدن العراق، شماله وجنوبه، استمرت لسنوات طويلة، مجزرة في مومباي في الهند قارب ضحاياها المئتي شخص، توتر خطير في العلاقات الهندية الباكستانية، تصاعد حدة الأزمة بين الكوريتين، تردي الأوضاع في أفغانستان وتوسع القتال فيها، تدخل أثيوبي في الصومال يشعل حرباً أهلية فيه، قرصنة يتزايد تأثيرها قرب السواحل الصومالية وتهديد متزايد لحركة الملاحة الدولية، أعمال شغب تعصف بالعاصمة اليونانية أثينا.
وباء الكوليرا يجتاح زيمبابوي وعدد المصابين يربو على الستين ألفاً، اجتياح لقطاع غزة الفلسطيني وحرب تدميرية تترك مسرحاً لمعاناة إنسانية منقطعة النظير، تذبذب غير مسبوق في أسعار النفط، أزمة اقتصادية عالمية تسحق الملايين من الطبقات المتوسطة والفقيرة في كل مكان من العالم، اتساع الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة وبين الأغنياء والفقراء في البلد الواحد، زيادة في استهلاك الكحوليات وانتشار التعاطي بالمخدرات، زيادة حجم الفساد في العالم على مختلف المستويات.
انتعاش في سوق السلاح، سعي محموم لبعض الدول لامتلاك الأسلحة النووية، تآكل المنظومات القيمية، تردي كبير في الأوضاع البيئية. ليس هنالك دولة في العالم لم تتأثر بهذه الأزمات أو غيرها من قريب أو بعيد. أزمة في كل مكان من العالم، ما هو السبب، أو ما هي الأسباب؟، وما هو العلاج، أو ما هي العلاجات؟.
هنالك تصورات مختلفة لطبيعة هذه الأزمات وبالتالي هنالك مداخل متعددة لمقاربتها ومن ثم تقديم الحلول المختلفة لها. إلا أن معظم هذه التصورات لا تخرج، في الواقع، عن النظر إلى هذه الأزمات نظرة تجزيئية ترى أن هنالك فصلاً بين قضية وأخرى، ولا ترى ما هو مشترك بينها. ووفق ذلك فإن الحلول المقدمة لا تخرج عن كونها حلولاً مجتزأة غير ناجعة، لأنها تطال النتائج وليس الأسباب، وتترك هذه الأزمة أو تلك في حالة كمون كي تنبثق، مرة أخرى، في وقت لاحق بملامح جديدة قد تكون تداعياتها أكثر خطورة عن ذي قبل.
كما أن هنالك عدداً من المنظمات الدولية تتباين في حجم وثقل تأثيرها لمواجهة هذه الأزمات، أبرزها منظمة الأمم المتحدة ومجموعة دول عدم الانحياز والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجموعة الثماني الكبار ومنظمات إقليمية مثل المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية والكومنولث البريطاني وكومنولث الدول المستقلة والمجموعة الفرانكفونية ومجلس التعاون الخليجي ومجموعة الآسيان ومجموعة الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط. ولهذه المنظمات معايير مختلفة في مقاربة الأزمات تتجاوز في أغلب الحالات المصالح الضيقة للدولة الواحدة، وبالتالي تمكنها من تقديم حلول أكثر نجاعة وأكثر واقعية للمشاكل المطروحة.
إلا أن الولايات المتحدة، في ظل النظام العالمي الجديد، الذي منحها هيمنة واسعة، قد حظيت بميزة مقاربة هذه الأزمات وهي تمتلك ثقلاً يفوق ما لدى هؤلاء، إلا أن معايير مقارباتها لهذه الأزمات تختلف كلياً عن معايير هذه المنظمات. ووفق ذلك كانت مقارباتها وحلولها تتسم بطابع خاص ينسجم مع مصالحها ومصالح حلفاءها فحسب. وفي ضوء ذلك لا بد من الاستنتاج بأن السبب الجوهري الذي يكمن وراء هذه الفوضى، الضاربة أطنابها في العالم، هو النظام العالمي الجديد، الذي تجد فيه معظم الحركات والمنظمات، التي تنشد العدالة والإنصاف، خصماً يعرقل مساعيها في الإصلاح.
أزمة الركود الاقتصادي التي يمر بها العالم، في الوقت الحاضر، هي أبرز ما جلبه النظام العالمي الجديد، من أزمات، وهنالك شبه إجماع على أن الخروج منها يتطلب فعلاً جماعياً دولياً طالما إن الاقتصاد العالمي مترابط بشكل يصعب على إحدى الدول، بقرارات منفردة، أن تضمن مساراً آمناً لاقتصادها بمعزل عن اقتصاد دول أخرى.
ولعل الخروج من هذه الأزمة لن يتم إلا بالخروج من النظام العالمي الحالي، والدخول في عصر جديد، عصر ذي ملامح جديدة، تتحكم في آلياته قوى عديدة وليس قوة واحدة، وتستطيع المنظمات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، في أجوائه الجديدة، استعادة استقلاليتها وممارسة مهامها بالشكل الذي يحقق أهدافها ورسالتها النبيلة.