لا أدري هل هي على التحديد عِبر التاريخ أم عِبر الدهر (وعِبر الدهر تفلق) وما (يفلق) أكثر هو عدم أخذ هذه العِبَر بعين الاعتبار في بلاد العرب والاستفادة منها لئلا يتكرر الخطأ مرتين ولكي لا تذهب التجربة سدى.
من الأحداث التي ينبغي أخذ العبر منها أن الغزاة الفرنجة (الصليبيين) كانوا عندما بدأوا غزو بلاد الشام (أي الأراضي المقدسة) أقل عدداً وعتاداً وثقافة وحضارة من البلدان التي غزوها، أي من بلاد العرب المسلمين، ولكنهم رغم هذا انتصروا في غزوتهم الأولى انتصاراً باهراً، واحتلوا إنطاكية والرها ومدينة القدس، وأقاموا إمارات لهم في هذه البلدان وفي غيرها (كطرابلس وعكا) ولم يكن المسلمون العرب أهل البلاد يلوون على شيء، فلا مقاومة ولا حتى ردود فعل باستثناء الخطب الحماسية في بلاد الشام والعراق حيث كان الناس يبكون أثناءها ثم ينصرفون إلى بيوتهم.
ويشير المؤرخون إلى سبب الضعف والخوار و(الهوان) العربي في ذلك الوقت أنه كانت للعرب والمسلمين دول ثلاث متصارعة هي الدولة العباسية في بغداد والدولة الفاطمية في مصر والدولة الأموية في الأندلس، ولم توحد هذه الدول موقفها من الغزو الفرنجي ولا مرة وكأن الغزو يجري ضد بلدان أخرى، بل ربما تشفّى بعضها بالبعض الآخر إذا احتل الغزو بعض أرضها، مما أتاح للغازي الانتصار وإقامة إمارات فرنجية على سواحل بلاد الشام دام بعضها مئتي عام.
ولعل الأمر نفسه والشرط نفسه توفر مع الغزو الصهيوني لفلسطين في مطلع القرن الماضي، وإن بوسيلة أخرى وضمن شروط أخرى، فقد كان الصهاينة في بداية غزوهم أقل عدداً وعتاداً إلا أنهم ضاعفوا العدد والعتاد فيما بعد وانتصروا في نهاية المطاف وأقاموا (دولتهم) بالرغم من عديد الدول العربية المحيطة، ذات الأنظمة المتناقضة والمتصارعة، وإن كان العدد ثلاث دول أيام الغزو الفرنجي فقد أصبح سبعاً أيام الغزو الصهيوني، وهكذا لم نأخذ العبرة من تجزئتنا وكأن الأحداث كانت خارج تاريخنا.
ومن العِبر التي يقتضي أخذها والتفكير فيها ملياً أن العرب والمسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي لم يستطيعوا استرداد القدس من أيدي الفرنجة بعد ما يقارب القرن من احتلالها إلا عندما وحد صلاح الدين الإمارات المحيطة كلها من القاهرة إلى دمشق وبغداد وغرب الجزيرة العربية، وشكل منها كتلة متراصة أمام الغازي الفرنجي، واستطاع العرب والمسلمون بذلك تحقيق نصر مؤزر، وهزموا الفرنجة هزيمة صريحة ومدوية وكان بالإمكان تحقيق النصر النهائي عليهم، لكننا لم نعتبر بعد من أن وحدتنا هي سبيل انتصارنا.
وهناك عبرة أخرى ينبغي أخذها مما حصل بعد ذلك، حيث تشير أحداث التاريخ إلى أن نهضة الفرنجة بدأت بعد هزيمتهم واستفادوا من الهزيمة لتحقيق النهضة الحديثة فيما بعد وما لبثوا أن استعادوا قدراتهم، وحققوا الثورة الصناعية، ثم بنوا الدولة الحديثة، واستعمروا معظم قارات العالم ومعظم بلدانه، بينما بدأ العرب المنتصرون بعد انتصارهم أولى خطوات السير في عصور الانحطاط التي ما لبثوا أن غاصوا فيها ولم يستطيعوا الخروج منها حتى الآن، أليس من أهم العبر التي ينبغي أخذها هي أن نبحث عن أسباب نهوض المهزوم (الفرنجي) وانحطاط المنتصر (العربي والإسلامي).
والطريف ـ بهذه المناسبة ـ أننا نقلنا عن الأوروبيين اصطلاح العصر الوسيط وأشير خاصة إلى القرون الثلاثة الأخيرة من الألف الأولى، ويؤكد الواقع التاريخي أن ذاك العصر كان عصراً وسيطاً (وعصر انحطاط) بالنسبة للأوروبيين أما بالنسبة للعرب فقد كان عصرهم الذهبي، ولكن النقل الميكانيكي للاصطلاحات والأفكار والرؤى والأحداث والشعور بالدونية هو الذي جعلنا نتجاهل أن العصر الوسيط الأوروبي لم يكن كذلك بالنسبة لنا.
عبرة أخيرة من المهم أخذها من تاريخ السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر، فقد كانت السلطنة على درجة كبيرة من التخلف السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي والاجتماعي وغير ذلك حتى سميت الرجل المريض، واضطرت ـ أمام هذا التخلف والضعف ـ للقبول بالشروط التي فرضتها عليها الدول الأوروبية وعلى رأس هذه الشروط، قبولها بالتدخل الأوروبي في شؤونها الداخلية.
وتقديم الامتيازات للأوروبيين في مجالات التجارة والثقافة والعلاقة مع بعض الفئات العثمانية، وتعديل عديد من القوانين الناظمة لهذه المجالات، وكان الحل الوحيد الذي يمكن أن يؤهل السلطنة للخلاص من تخلفها وبؤسها وهزائمها ويمكّنها من الوقوف بوجه الهيمنة الأوروبية هو إصدار قوانين الإصلاحات، وهذا ما فعلته فأقرت قوانين (وخطوط شريف) كولخانة وهمايون (1839 و1856 على التوالي)، ولو طبقت السلطنة هذه القوانين وأخذت بمضمونها لخلصت من صعوبات ومشاكل وهزائم وتناقضات كانت تعاني منها.
لكنها بدلاً عن ذلك، أبقت القوانين خطوطاً على ورق واستمرت السلطات الحاكمة على نهجها، ورفضت عملياً الإصلاح والتطوير وتجديد شيخوخة الإمبراطورية العثمانية، أو التسهيل لها لاستيعاب معطيات العصر الجديد، أو تحويلها إلى دولة عصرية تقر بمفاهيم الدولة الحديثة وتطور جوانب حياتها وحياة مجتمعاتها، فاستمر النهج هو النهج والانحطاط هو الانحطاط والرجل المريض مريضاً.
إلى أن جاء الوقت المحتوم وهو انهيار السلطنة العثمانية وخسارتها إمبراطوريتها و(ممتلكاتها) إضافة لنظامها السياسي فكان رفضها للإصلاح إيذاناً بانهيارها بدلاً من إصلاحها، وربما لو طبقت قوانين الإصلاح أو سارت في طريق تنفيذها لتغير تاريخها وتطورت وتجنبت الانهيار، والعبرة هنا هي أن من يرفض الإصلاح ربما يدفع ثمناً أغلى منه فيما بعد.
