مر أسبوعان تقريبًا منذ عودة دبيب الحياة الدراسية ـ في المدارس والكليات والمعاهد والجامعات ـ ليسري في أوصال أيامنا التي انقلب ليلها نهارًا، ونهارها ليلا، على مدى أسبوعين أو ثلاثة، هي عمر إجازة منتصف العام الدراسي.
بعضنا كان منشغلا بمتابعة أحداث غزة، ولم يكد يعرف متى يبدأ ليله ومتى ينتهي نهاره وهو يراهم هناك يعيشون في ظلام دامس، متعدد الأوجه.. ظلام الظلم، والقصف، والتشرد والضياع، والجوع، وبعضنا عاش لذة الإجازة ومتعة العطلة بجميع تفاصيلها، وأهم تفصيل فيها هو جعل الليل نهارا والنهار ليلا؛ ففي مثل هذه الحالة فقط يشعر بعض الناس بأنهم يعيشون أيام عطلة حقيقية.
وعلى الرغم من انقضاء الأسبوع الثاني على بدء الدراسة إلا أن الأيام تسير بطيئة الإيقاع إلى الآن، ولم نشعر بانتظام يلف السويعات التي تنقضي في ما بين دخول وخروج من بوابات المدارس والجامعات، وقد يستمر هذا الحال لأسبوع قادم،.. لكل منا ـأساتذة وتلامذة- ما يشغله، ولكل منا ما يستحوذ على تفكيره، ولم يكد أحدنا يشعر بعد بأن فصلا دراسيًا جديدًا يفتح ذراعيه لنا، وينتظر منا نحن أيضًا أن نفتح له أذرعنا!
وإذا كان انشغال الكبار عن الفصل الدراسي الثاني وقد أطل برأسه منذ أسبوعين تقريبًا يمكن أن يُفهم أو يُبرَّر، نظرًا لتعقد ظروف الحياة، وكثرة الالتزامات التي تشتت المرء ما بين جهات كثيرة لا يعرف كيف يوازن بينها أحيانًا.
ولا يجد مفرًا من الارتباط بها والوفاء بالتزاماته تجاهها، بغض النظر عن الضغوط التي تشكلها عليه، فإن الذي يشغلني حقا هو انصراف الطلاب عن الدراسة، وسؤالهم عن الإجازة منذ الأيام الأولى لبدء الدوام، وهذا فيه دلالة كافية على أن البيئة الدراسية عندنا ـ في المدارس والجامعات ـ ليست بيئة جاذبة، وهذا الأمر لا يتعلق بمادة دون أخرى، ولا بمدرسة دون أخرى، فالسؤال نسمعه من فئات مختلفة من الطلاب والطالبات دون استثناء.
الكل يريد أن يعرف عدد أيام الإجازات في الفصل الدراسي الواحد، والكل يريد أن يعرف بالضبط، وعلى وجه الدقة والتحديد، كم عدد أيام الدراسة خلال الفصل، كي تتم بعدها عمليات حساب وموازنة دقيقة.
ما الذي يدفع الطلاب نحو خارج أسوار المدارس والجامعات، وما الذي يجذبهم هناك في الخارج؟ هل هي المتنفسات الترفيهية الكثيرة التي تتكاثر يومًا بعد يوم؟ أو أنها الألعاب الإلكترونية، والشبكة العنكبوتية وخياراتها المتجددة والمتوالدة التي لا تزال تخطف قلوبهم وأبصارهم ببريقها الذي لا يخبو، ولا يبدو أنه سيخبو قريبًا؟
أذكر أننا كنا نحب المدرسة، وكنا ننزعج من يوم الجمعة لأنه يوم إجازة. كانت المغريات بالنسبة لنا في المدرسة أكثر من أي مكان آخر، لأننا نثبت ذكاءنا وتفوقنا من جهة، ولأننا نلتقي بصديقاتنا من جهة، ولأن مدرساتنا كن مؤهلات للتربية والتعليم في آن، وكنا ـ مع وافر الاحترام الذي نحمله لهن ـ نشعر أنهن قريبات جدا منا، ولم نشعر يومًا بالحواجز المنيعة القائمة حاليًا بين بعض المدرسين والمدرسات والطلبة والطالبات.
لا أريد أن يفهم القارئ أنني أزعم بأن زماننا ـوهو ليس ببعيد على كل حال ـ كان زمانًا ذهبيًا، وأننا كنا عباقرة أو متميزين، أو مختلفين عن الأطفال الطبيعيين. أنا أتحدث عن جو عام كان يلفنا في تلك المدارس البسيطة التي ضمتنا وشهدت سنوات طفولتنا بشقاوتها وخربشاتها وكل تفاصيلها. أما حين وصلنا إلى المرحلة الثانوية فقد بدأت ألاحظ بواكير ما صار يتعمق عامًا بعد عام في نفوس الطلاب والطالبات، ومعظمه يدور حول سؤال واحد: ما أهمية التعليم إذا كان الإنسان يستطيع أن يفعل كل ما يريد بالنقود؟
المدارس والجامعات الآن مجهزة ومهيأة أكثر من ذي قبل، فنيًا، وتقنيًا، وتستعين وزارة التربية بمن ترى ؟أو تظن- أنهم أفضل الخبرات في بعض المجالات للارتقاء بالعملية التعليمية، ولكن هناك شيء ناقص، ولذلك لا يشعر الطلاب بأنهم في مكانهم الصحيح، ولا يشعرون برباط حقيقي يربطهم بهذه الأماكن التي يذهبون إليها صباحًا كل يوم، مخلفين وراءهم فرشهم الوثيرة الدافئة.
وأحضان أمهاتهم، وألعابهم وأجهزتهم الإلكترونية. هذا ما أراه في عيون أطفال نقضي وقتًا طويلا كي نقنعهم بأن المدرسة هي المكان الذي سيتعلمون منه أشياء مفيدة، وهي طريقهم كي يصبحوا أطباء ومهندسين وضباط شرطة، وهي المكان الذي يلتقون بأصدقائهم ويلعبون معهم، ويذهبون معهم للرحلات، وغير ذلك من المغريات التي لا نجدها كافية لإقناعهم بما كنا نشعر به ونحن في سنهم دون حاجة لكل هذا.
يحدث كثيرًا أن أذهب لألقي محاضرات في مدارس مختلفة في الدولة، معظمها لطالبات المرحلة الإعدادية أو الثانوية، وبعد المحاضرة حين ينفتح باب الحوار والنقاش، يصل بنا الحوار أحيانًا ـ عبر سؤال أو تعليق تلقي به طالبة تبدو وكأنها تتحدث بلسان حال البقية ـ إلى جدوى ما يفعلونه بمجيئهم إلى المدرسة، والفائدة التي سيحققونها بحصولهم على الشهادة. هذا التفكير هو من إرث فترة الطفرة التي عاشتها البلاد إبان انتقالها من عصر ما قبل النفط إلى ما بعد النفط ببضع سنوات، حيث أقبل الكثيرون على التعليم في البداية، لكن في المقابل أصبح عدد الذين يعزفون عنه ـ فيما بعد ـ أكثر بكثير، وهم والذين يأتون للمدارس ولكن دون اقناع حقيقي بأهمية ما يقومون به سواء.
أعجب جدا من وجود مثل هذه الذهنيات ـ ونحن في عصر المعلوماتية والاقتصاد المعرفي ـ بين فتية وفتيات نالت منهم سهام التسطيح الموجهة لهم في ظل غفلة أولياء أمورهم من جهة، واهتمام المسؤولين بجوانب فنية وتقنية وإغفالهم لجوانب تربوية مهمة يجب أن تتوافر في المعلم كي يستطيع أن يغرس قيمًا أصيلة في نفوس هؤلاء الطلبة، وأن يزرع أهمية العلم وحبه في نفوسهم.
ليس بالمال وحده يمكننا أن نبني مجتمعنا، بل يجب أن تتوافر الكوادر البشرية المواطنة التي تحمل هم بلدها من جهة، وليس هم نفسها ودَخْلها فقط، وتستطيع أن تقدم له شيئا مفيدًا من جهة أخرى، على الأقل عرفانًا بالجميل.
جامعة الإمارات