أعلن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف أن مجلس الأمن الجماعي التابع لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي وافق على تشكيل قوات للانتشار السريع تابعة للمنظمة. وتضم منظمة الأمن الجماعي في عضويتها روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان وأرمينيا. وقال ميدفيديف إن «هذه القوات تعتبر تشكيلات قوية وكافية من حيث حجمها، ومزودة بأحدث المعدات، وفعالة. ولن تكون بقدراتها الحربية، أسوأ من قوات حلف شمال الأطلسي».
مقارنة ميدفيديف لتشكيل القوات التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بمستوى قوات حلف شمال الأطلسي أعطت وبسرعة مؤشراً على أن هذا التشكيل الجديد في هذه المنطقة هو بمثابة استدعاء لحلف وارسو الاشتراكي القديم أو على أقل حال هو نواة لحلف عسكري جديد يضم الآن الدول الأعضاء في هذه المعاهدة ومفتوح لدول أخرى لا يستبعد المراقبون أن تكون الصين منها، خاصة وأن معظم أعضاء هذه المنظمة هم أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون التي تتزعمها روسيا والصين والتي تجري مناورات عسكرية مشتركة بين قوات الدول أعضائها كل عامين، وهو الأمر الذي يسبب قلقاً كبيراً للغرب وخاصة لواشنطن التي تخشى كثيراً من التقارب العسكري الروسي الصيني ومن مشاريع روسيا الاستراتيجية العسكرية في الفناء السوفييتي السابق.
ويعتبر تعزيز منظمة معاهدة الأمن الجماعي أحد نجاحات روسيا السياسية الخارجية الرئيسية خلال السنوات الأخيرة. فقد كانت إقامة المنظمة صعبة واستغرقت وقتاً طويلاً، إذ ظلت المعاهدة التي وقعت على أنقاض الاتحاد السوفييتي في عام 1992 شكلية فترة طويلة. وبعد عام 2000، عندما بدأت روسيا باستعادة نفوذها في آسيا الوسطى، اكتسبت المعاهدة ملامح واقعية.
وفي عام 2002 تشكلت المنظمة مع بنية عاملة دائمة على قاعدة المعاهدة. وشهدت هذه الفترة تنافس روسيا والولايات المتحدة على بسط النفوذ في آسيا الوسطى، حيث أنشئت في عام 2001 قواعد عسكرية أميركية لدعم نشاطات تشكيلات الناتو العسكرية في أفغانستان.
وانتهى هذا التنافس تدريجياً بانسحاب الولايات المتحدة من معظم جمهوريات آسيا الوسطى، حيث نشرت في البداية قواتها. كما قررت الحكومة القرغيزية مؤخراً فسخ الاتفاقية مع الولايات المتحدة التي تتعلق بالقاعدة العسكرية في مطار «ماناس»، مما يرغم الأميركان على البحث عن سبل جديدة لإمداد الوحدات العسكرية في أفغانستان.
وتدل الأحداث التي تجري الآن عملياً، على سعي بلدان منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وبالمرتبة الأولى روسيا، لممارسة سياسة مستقلة في فضاء نفوذها، وعدم السماح للبلدان الأخرى بمشاطرتها هذا الفضاء.
وإن تشكيل قوات الانتشار السريع الجماعية يوفر لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي أداة من الممكن استخدامها بسرعة في مصلحة المنظمة، دون منح القوى الخارجية وقتاً للتدخل.
ولا تزال مجهولة حالياً تشكيلة هذه القوات. ومع ذلك، تقرر حالياً، انطلاقاً من المعلومات الأخيرة، الاقتصار على مساهمة كل بلد مشارك بكتائب من قواته المسلحة. ومن الممكن توضيح هذا التواضع، من جانب، بتخوف البلدان الأخرى من تزايد نفوذ اللاعبين الكبارـ روسيا وكازاخستان وربما بيلاروسيا، ومن جانب آخر، لتخلف اقتصادات الأعضاء الآخرين في المنظمة، مما لا يتيح لها المساهمة بالتشكيلات المطلوبة.
وفي نفس الوقت، حتى تشكيل القوات بهذا العدد القليل يتيح حل عدد من المهمات، وبالمرتبة الأولى قمع الاضطرابات المحتملة من جانب الحركات الإرهابية، بسرعة. فالقوات الكبيرة ضرورية في الغالب للتصدي للجيوش النظامية، ولا يوجد في الوقت الحاضر ما يهدد بنشوء مثل هذا النزاع في فضاء عمل منظمة معاهدة الأمن الجماعي.
ويظل تشكيل قوات الانتشار السريع أحد أهم الخطوات الأولى على طريق تحويل منظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى منظمة سياسية عسكرية. ويتوقف تطور هذا الحلف مستقبلاً، بالمرتبة الأولى، على قدرة البلدان الأعضاء في التصدي للأزمة المالية العالمية، إذ من المتعذر بناء قوات مسلحة حديثة دون اقتصاد حيوي. وفي ظل هذه الظروف يتنامى دور روسيا بشكل ملموس، لأنها تبقى بقدراتها الاقتصادية رغم الأزمة، قائداً لا منازع له في المنظمة.
كاتب ومحلل سياسي روسي