قبل وقوع الأزمة المالية الأخيرة بشهور قليلة، ظهر في الولايات المتحدة كتاب اسمه «الرأسمالية السوبر» (Super Capitalism)، أو ما يمكن أيضا أن يسمى بالرأسمالية الكاملة، أو المطلقة.

والكتاب لم يتعرض بالطبع للأزمة، ولا حتى تنبأ بها، ولكنه في رأيى ألقى ضوءا على أسبابها أقوى مما يلقيه كثير من الكتابات التي كتبت بعد وقوعها. ومن ثم فهو جدير بالقراءة والتأمل.

المؤلف «روبرت رايخ» (Robert Reich)، كاتب وسياسى وأستاذ جامعى. له عدة كتب جيدة في جوانب مختلفة من الاقتصاد الأميركى، وتمتاز كتاباته بأسلوب سلس ومنطق قوي.

شغل منصب وزير العمل في عهد الرئيس كلينتون، ويعمل الآن، فضلا عن إصدار كتاب من حين لآخر، أستاذا في السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا (بيركلى).إنه طبعا ليس معاد للرأسمالية (إذ ما كان يمكن أن يكون وزيرا لو كان كذلك)، ولكن من الممكن وصف موقفه «بالكنيزى»، نسبة إلى الاقتصادي الانجليزي الشهير «جون مينارد كنيز»، إذ أنه وإن كان يقبل الرأسمالية فإنه يرحب بدور أكبر للدولة.

يذهب المؤلف إلى أن السبب في تحوّل الرأسمالية في الولايات المتحدة إلى «رأسمالية سوبر»، أو مطلقة، ليس مجرد جشع الرأسمالية، فالجشع موجود دائما، كما أن السبب ليس مجرد تغير حدث في الأفكار أو في المواقف الأيديولوجية لدى المسئولين عن السياسة الاقتصادية، فالأفكار والمواقف الأيديولوجية تتبع ما يجرى في الواقع وليس العكس.

يحاول المؤلف أن يبين أن ظهور «الرأسمالية السوبر» في الولايات المتحدة في السبعينات من القرن الماضي (أي منذ أكثر من ثلاثين عاما) كان حتميا أو شبه حتمى، ولأسباب تتعلق أساسا بالتطور التكنولوجيى. وعندما ينجح الكاتب، أيّ كاتب، في إقناعك بأن ظاهرة ما كانت حتمية أو شبه حتمية، فأظنه قد نجح في إعطائك التفسير الصحيح.

يميز روبرت رايخ بين فترتين في حياة الرأسمالية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية : فترة ربع القرن التالي مباشرة لانتهاء الحرب (1945 - 1970)، والفترة التالية لذلك والمستمرة حتى الآن (1970 - 2008 ). ويمكن نحن أن نضيف أن الأزمة المالية التي وقعت في سبتمبر الماضي قد تكون بداية لمرحلة جديدة.

ففي الفترة الأولى، حققت الرأسمالية نجاحا باهرا في زيادة الدخل القومي الأميركي، ولكنها كانت رأسمالية معتدلة، بسبب خضوعها لقيود من جانب الدولة من ناحية، وضغوط نقابات العمال من ناحية أخرى. هذا الاعتدال (أو هذا التقييد) هو الذي سمح بأن يستفيد معظم الناس من هذه الزيادة الكبيرة في الدخل.

ففي هذه الفترة تحسن نمط توزيع الدخل تحسنا ملحوظا، ووصلت ثمرات النمو إلى شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك من كان في أسفل السلم الاجتماعي، كما تحققت العمالة الكاملة، أي انخفض معدل البطالة إلى حدها الأدنى. بل يقول رايخ أن هذه الفترة اتسمت أيضا بدرجة عالية من الديمقراطية، إذ أدت القيود المفروضة على الرأسماليين الكبار إلى منعهم من التدخل تدخلا سافرا في توجيه السياسة العامة لصالحهم.

كانت هذه هي فترة الحرب الباردة، بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، وكانت هذه الحرب هي الدافع إلى تطوير سريع للتكنولوجيا (بدليل نشأة معظم التطورات التكنولوجية في تلك الفترة برعاية ودعم وزارة الدفاع)، إذ كان الغرض الأصلي من تحقيق التقدم التكنولوجي خدمة التسلح والحرب الباردة.

كان من الطبيعي جدا أن تأخذ الاكتشافات التكنولوجية الجديدة طريقها، ابتداء من أوائل السبعينات، إلى القطاع المدني، فتطبق في إنتاج مختلف السلع والخدمات الاستهلاكية : في الصناعة والنقل والمواصلات والاتصالات والخدمات المالية... الخ. فارتفعت معدلات الربح المتوقع في هذه المجالات المختلفة.

يقول المؤلف إن تطبيق هذه الاكتشافات التكنولوجية الحديثة في مجالات الإنتاج والاستهلاك المدنيين، اقترن بظاهرتين مهمتين:

الأولى: نمو الاستثمارات ذات الحجم الصغير نسبيا، بعد أن كان الحجم الكبير شرطا من شروط الاستثمار الناجح في الفترة السابقة. ذلك أن من طبيعة التكنولوجيا الجديدة أن يكون للمستثمر الصغير القدرة على تطبيقها ومنافسة الشركات الكبيرة فيها.

والثانية: ارتفاع معدل العولمة، بما تحققه هذه الاكتشافات من تسهيل الاتصال وتخفيض نفقات المواصلات، ومن ثم تقصير المسافات بين الدول، وفتح أسواق جديدة مجزية أمام المستثمرين.

عندما يصبح الاستثمار مربحا لهذه الدرجة، ومفيدا أيضا بدرجة كبيرة للمستهلكين، تحدث الضغوط لإطلاق الرأسمالية من قيودها، فإذا بالرأسمالية المقيدة تحل محلها «الرأسمالية السوبر» ولكن هذا يقترن بدوره بتدهور الديمقراطية، نتيجة لازدياد تدخل الرأسماليين في توجيه السياسة العامة. ومن ثم يعم النفع على الناس كمستهلكين ومستثمرين ولكن يصيبهم الضرر كمواطنين.

من الشيق جدا ما يذكره المؤلف عن الطرق التي يتم من خلالها هذا الضغط لإطلاق الرأسمالية من القيود، إذ أن ما يذكره المؤلف في هذا الصدد من شأنه أن ينبّه الكثيرين الذين مازالوا يعتقدون في حياد كثير من المؤسسات العامة، وهى بعيدة جدا عن الحياد. يقول رايخ أن الرأسماليين أو المستثمرين، من الطامحين إلى تحقيق أرباح عالية من الاكتشافات التكنولوجية الجديدة، يمارسون ضغوطهم بنجاح على أعضاء الكونجرس، وعلى أساتذة الجامعات والقائمين على البحوث فيها، وعلى رجال الأعمال.. الخ.

فالعلاقات المتداخلة وثيقة، ومن السهل إغداق الأموال على بحوث تخدم في النهاية أغراض المستثمرين، وعلى قنوات تليفزيونية أو على صحف تنادى بما فيه مصلحة المستثمرين. فإذا بالمصالح الاقتصادية تبدو للناس وكأنها أفكار جديدة خطرت بأذهان بعض الاقتصاديين أو واضعى السياسة الاقتصادية، واكتشفوا أنها هى الأفكار الصائبة بعد فترة من الضلال.

ما لم يقله روبرت رايخ في كتابه أن هذه المرحلة يبدو الآن أنها انتهت بدورها. إذ بينت الأزمة المالية الكبرى، التي وقعت بعد صدور الكتاب، أن فرص الاستثمارات المجزية جدا في مختلف مجالات الانتاج «العينى»، قد أخذت في النضوب، وأن الالتجاء إلى الاستثمارات »المالية» كتعويض عن ذلك قد أدى إلى نتائج غير سارة. فكان لابد أن تعود «الرأسمالية السوبر» بضع خطوات إلى الوراء، وأن تعترف بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء، وأن عليها الآن أن تقبل بعض القيود.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu