منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2003 وهو حديث الأوساط السياسية والإعلامية والمهتمين بالشؤون الإقليمية، والآن وفي الوقت الراهن وبعد العدوان الإسرائيلي على غزة أصبحت تركيا حديث الشعب العربي والإسلامي خاصة بعد الموقف الذي سجله أردوغان في مؤتمر دافوس.
من عام إلى عام والحزب يسجل انتصاراً بعد انتصار، أول تلك الانتصارات الذي سجلها حزب العدالة والتنمية هو المصالحة الوطنية مع مبادئ العلمانية التركية، فعندما مُنح فرصة السلطة ومُنح القرار السياسي احترم الحزب قواعد اللعبة التركية، فكان أول تصريح لأردوغان بعد توليه رئاسة الحكومة قوله «نحن لا نسعى لإنشاء دولة على أساس ديني، ليس ذلك هدفنا.
ولكن في ذات الوقت نريد أن توفر الدولة الحرية للعبادة لجميع المتدينين، أن يعيش المسلم إسلامه والمسيحي واليهودي وحتى الملحد بحرية، وأن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع، هذا ما نفهمه من العلمانية، ولذلك ليس هناك مشكلة بيننا وبين العلمانية».
فلم يجعل إذاً حزب العدالة من جذوره الإسلامية موقفاً سياسياً عدائياً بل ناضل من أجل أن يؤكد على وطنية حزبه، ولم يقف ضد بلاده في أي قضية خارجية، بل على العكس فقد تبنى بحماس لافت مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وعمل على إنجاز مجموعة كبيرة من الإصلاحات التي طُلبت منه من قبل الاتحاد فقفز على قوانين تحريم الزنا وفرض الحجاب حتى لا يتصادم أخلاقياً مع المبادئ الأوروبية.
بالإضافة إلى إنه قاد معركة الاقتصاد الحر فأنجز الكثير من الإصلاحات الاقتصادية والنتيجة أن الاقتصاد التركي حقق نمواً غير مسبوق بنسبة تصل ما بين 7 و 10% وأصبح يحتل المركز السابع عشر عالمياً، وزادت صادرات تركيا أربعة أضعاف وارتفع متوسط دخل الفرد ثلاثة أضعاف.
الانتصار الثاني الذي حققه هذا الحزب المعجزة في تاريخ الإسلام السياسي موقفه الذي سجله عام 2007 عندما فاز برئاسة الدولة التركية، وأصبح منذ ذلك العام يرأس الحكومة والدولة ويحتل أغلبية البرلمان، وعندما حاول علمانيو أنقرة التصادم معهم في ذلك العام لم يقم هذا الحزب بتجييش الداخل الأناضولي الذي يمتلك قوة التأثير عليه في التصادم مع العلمانيين بل أتت تصريحات أردوغان لتبث الطمأنينة في نفوس العلمانيين والجيش وكان فحوى تصريحاته تدور حول احترام حزب العدالة والتنمية للمظاهرات والاحتجاجات التي قام بها العلمانيون وتأكيده على احترام حزبه لمبادئ أتاتورك.
الانتصار الثالث الذي حققه حزب العدالة هو في موقف تركيا وأردوغان رئيس الوزراء على وجه التحديد من العدوان الإسرائيلي على غزة، فتركيا زجت بنفسها وسط معمعة الحرب واعتبرت نفسها طرفاً أساسياً في القضية، فمنذ الأيام الأولى قام اردوغان بجولة في مجموعة من الدول العربية لتنسيق موقف مشترك ضد العدوان، تلا ذلك تصريحاته النارية التي ألقاها ضد اليهود في البرلمان التركي.
ومن ثم الموقف المشرف الذي سجله أردوغان في مؤتمر دافوس عندما قام بالرد على الرئيس الإسرائيلي الذي بدا وكأنه حامل غصن الزيتون أو كحمل وديع عندما برر حرب بلاده الوحشية ضد حماس وألهب مشاعر الحضور فهبوا بالتصفيق للمجرم وكأنهم تناسوا مناظر وأشلاء 1300 جثة ذهبت في حرب مجرمة غير عادلة، فكان رد أردوغان كالبلسم الذي بلسم جروح الأمة العربية، ولأن الأمة العربية تعيش فراغا قياديا وسياسيا كبيرا ظهر أردوغان كزعيم يظمي عطشى الجمهور العربي المغلوب على أمره.
بالفعل تعيش الخارجية التركية اليوم نشوة ما حققه رئيس الوزراء من انجاز تاريخي بالنسبة للعلاقات التركية العربية، مما يؤهلها بجدارة في دخول عصرها الذهبي. ولو نظرنا إلى الواقع فإن هذا التوجه التركي يمكن اعتباره على أنه ينبع من نظرية العمق الاستراتيجي التي أسس لها رأس الحربة في السياسة الخارجية التركية والمتحدث باسمها ودينامو تحركاتها السيد أحمد داوود أوغلو، وملخص هذه النظرية يقوم على بناء سياسة تركية إقليمية جديدة لا تقوم فقط على التقوقع داخل الأناضول والاكتفاء بإبداء الاعتراض والإدانة بل تقوم على التحرك الإستباقي وبناء أدوار فعالة على عدة مستويات وخاصة مع الشرق والمحيط الإسلامي لتسترد تركيا بذلك ما فقدته عبر عشرات السنين من سنوات الانقطاع مع هذا المحيط المهم والفعال خاصة إنها تربطه بها مجموعة كبيرة من القواسم الدينية و التاريخية والاجتماعية والثقافية.
فلذلك أوجدت تركيا لنفسها مكاناً في عمليات الوساطة بين الجناحين الفلسطينيين المتنازعين فتح وحماس، وقادت المفاوضات السورية الإسرائيلية، واهتمت بالعبور كذلك إلى منطقة الخليج ذات الأهمية الاقتصادية الكبيرة فأصبحت الاستثمارات المتبادلة بين الطرفين تنمو بسرعة كبيرة، وانفتحت على إيران وبدأت بإقناعها بانتهاج سياسة إقليمية ودولية جديدة في موضوع التسلح النووي، وبرز دورها بشكل كبير كذلك في الحرب الأخيرة فكانت الدبلوماسية التركية نشطة بين العواصم العربية تنتقل من عاصمة إلى عاصمة للبحث عن حل مناسب.
في الواقع تركيا تهدف من وراء انتهاج هذه السياسة الجديدة إلى تحقيق مجموعة من الانتصارات في الداخل والخارج. ففي الداخل التركي عبر حزب العدالة بانتهاجه هذه السياسة الجديدة نحو الشرق الإسلامي عن مشاعر الشارع التركي الذي يجد في الشرق ملامح هويته وأصالته .
وهو بذلك اكتسب مشروعية إضافية سيظهر أثرها في الانتخابات القادمة، أما خارجياً فهو يهدف إلى إحراج الجانب الأوروبي الذي يعرقل مسألة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بوضع المزيد من الشروط التعجيزية ويحاول إقناع الأوروبيين بأهمية الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط واعتبارها لاعبا فاعلا ورئيسيا في المنطقة ويمكن أن يعتمد عليها في المستقبل في حالة إذا انضمت إلى النادي الأوروبي.
اعتقد أن تركيا اليوم نجحت في شد أنظار العالم إلى سياستها المتزنة والتي تقف من الجميع على نفس المسافة وتحاول في الوقت نفسه تستوعب جميع المفارقات، والسؤال الذي يطرح نفسه هل تستطيع تركيا الصمود كثيراً في ظل الجمع بين هذه التناقضات، في اعتقادنا أن تركيا قادرة على ذلك خاصة في ظل طموح حزب العدالة والتنمية الذي رسم لنفسه خطاً تصالحياً أولاً مع الداخل التركي الملئ بالتناقضات المعقدة وثانياً مع المحيط الإقليمي والدولي، فشكراً لبيئة أتاتورك العلمانية الذي أعطت فرصة للجميع، فلولا هذه البيئة الديمقراطية المنفتحة لما تسنى للإسلاميين أن يصلوا إلى حكم قلعة أتاتورك العلمانية.
كاتبة إماراتية