قد يكون من المحزن أننا لا نستفيد من أخطاء إسرائيل.أما المضحك بحق فهو أن إسرائيل نفسها لا تستفيد من أخطائها.طالما كررنا في كل مناسبة أننا شعوب لا تستفيد من أخطائها ولا من أخطاء غيرها. وهذه الأخطاء مدونة في كتب التاريخ القديم والحديث والمعاصر. بل في الصحف اليومية.

ويبدو أنها مشكلة أسبابها عديدة ومتعددة منها بسيكولوجية وسوسيولوجية وتربوية وربما انثروبولوجية؟

وليس شرطا أن تكون الاستفادة من أخطاء إسرائيل مثلا أن نجنب أنفسنا الوقوع في نفس الخطأ، ولكن أيضا أن نستغلها لصالحنا.

لقد ارتكبت إسرائيل أخطاء استراتيجية جسيمة منذ أن أسست نفسها. أولها أنها اختارت أن تعيش في وسط محيط متلاطم من العرب والمسلمين وحتى المسيحيين الذين لم يرحبوا بفكرة هذا الوطن.

ولو قرأت المنظمات الإسرائيلية التاريخ بشكل جيد وموضوعي قبل وضع أول لبنة في هذا المشروع لرجعت آلاف المرات عن قرارها وفضلت إقامة دولتها في الصين أو في أفريقيا أو حتى في أميركا اللاتينية. فاختيار المكان كان أكبر خطأ ترتكبه إسرائيل في حق نفسها وفي حق شعبها المشرد على مدى التاريخ، واعتمدت على معتقداتها القديمة التي ما عادت صالحة في عصر الذرة.

وكان بإمكان العرب في فترة قيام إسرائيل إفشال هذا المشروع في بداياته، ولكنهم تركوها تكبر وتكبر حتى صارت كالقط الذي ينفش شعره أمام عدوه، وقام العديد من الفلسطينيين في ذلك الوقت أمام مغريات المال أو بسبب صعوبة الحياة ببيع أراضيهم لليهود واصبحت بالتالي لبنة تعزيز أخرى لقيام الدولة، حتى صدق العرب أن إسرائيل كيانا كبيرا جدا لا يمكن التغلب عليه.

الخطأ الثاني الذي ارتكبته إسرائيل هو أنها أوجدت نفسها في منطقة نائية وليس في جوارها أي دولة صديقة جغرافية تفتح لها ذراعيها. وحين لا تجد صديقا واحدا يكون جارا لك فمن الأفضل أن تحمل أمتعتك وترحل. ولكن إسرائيل أصرت على بقائها هناك، وحاولت بكل السبل الترهيبية فقط إيجاد أصدقاء مزيفين.

واستطاعت بعد عناء شديد على إقناع بعضهم وهي لا تدرك أنهم إنما يمالئونها بسبب ظروفهم أو مصالحهم التي تدعوهم مؤقتا لذلك وليس تعبيرا عن حبهم الصادق. وصدقت إسرائيل بسبب وحدتها القاتلة أن الدول العربية والإسلامية التي فتحت لديها سفاراتها أو قنصلياتها أو مكاتبها التجارية أصبحت صديقا ودودا لها، تماما كالذي يتعلق بقشة وهو على وشك الغرق. وللأسف لم يستغل العرب ولا المسلمون هذا الجانب ويتركوا إسرائيل بلا صديق ولا رفيق وبلا منفذ.

الخطأ الثالث أن إسرائيل بدأت بعائلات صغيرة مشتتة وأفراد معدودين في دولة فارغة من السكان. وكان عليهم أن يستجلبوا اليهود من كل مكان في العالم بكل الوسائل وبأي ثمن دون النظر إلى النوعية. وإذا بعد عشرات من السنوات تصبح إسرائيل دولة مكونة من اليهود من مختلف المستويات واللغات والأصول والبلدان لا يجمعهم سوى المصلحة.

واكتشفت إسرائيل أخيرا أن معظم هؤلاء جاءوا للبحث عن فرص عمل أفضل وليس للعيش في أرض الميعاد والذهاب لحائط المبكى، ومنهم من غادر بلا رجعة.

أما خيرة اليهود من الأغنياء والمثقفين فقد (حسبوها بشكل صحيح) ورفضوا الإغراءات الصهيونية وفضلوا العيش في بلدانهم التي ولدوا فيها رافضين المغامرة بحياتهم وبارزاقهم وبمستقبل أطفالهم أو بحرياتهم الفكرية. وظل العرب كعادتهم دون وضع استراتيجية موحدة كاسترايتجية (فرق.. تسد) لاستغلال نقطة الضعف هذه في إسرائيل لصالحهم، رغم أنهم أكثر من عانى من تلك الفلسفة الاستعمارية البريطانية.

الخطأ الرابع لإسرائيل أنها شردت الفلسطينيين الذين تكاثروا بسلام في الخارج وكونوا ثروات طائلة وأصبحوا مراكز قوة وضغط على كثير من الحكومات العربية وآخرون منهم تحولوا إلى مقاتلين متدربين حسب الأصول. ولو استغلت إسرائيل ظروفهم المادية وأدمجتهم في مؤسساتها ومنحتهم نفس الحقوق لأصبحوا مواطنين صالحين من الدرجة الأولى. لكنها اعتقدت أن إبعادهم سيكون بمثابة القضاء عليهم.

حتى هؤلاء الذين عاشوا في جوارها في الضفة وغزة، لو منحتهم حقوقهم كاملة ومدت لهم يد العون وفتحت لهم مجالات العمل لما تحولوا إلى استشهاديين. إن معظم الفلسطينيين في الضفة وغزة يعانون من الفقر والحال المتردية والأوضاع السيئة وانعدام البنية التحتية، وربما هي واحدة من أهم أسباب انتفاضاتهم ومقاومتهم وتمردهم.

إن الشعوب المرفهة لا تبحث عن المشاكل. كما أن الفقر يعتبر واحدا من أهم أسباب ازدياد أعداد السكان في العالم. وازدياد أعداد الفلسطينيين في الداخل وفي الخارج خلق نوعا من عدم التوازن. والسبب هو أن إسرائيل أخطأت منذ البداية في تقدير نتائج تشريدهم أو حرمانهم من الحقوق الإنسانية البسيطة وهم في جوارها. ناهيك عن استمرارها في مصادرة أراضيهم وإحراق مزارعهم وبناء الجدران الخرسانية العازلة.

الخطأ الخامس أن إسرائيل ستظل معتمدة على الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية لأجل بقائها. وبالتالي فإن بقاءها مرهون بهؤلاء وبمساعداتهم وليس بوجودها هي ككيان له قوته الذاتية للاستمرارية. ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بما قد يحدث غدا، كما لم يتنبأ أكبر خبراء الغرب بحدوث الأزمة المالية التي ما زالت تنخر في اقتصادهم ليل نهار وعجزهم عن وقفها. وللأسف الشديد كانت تلك أخطر النقاط في مسألة (وجود أو عدم وجود) إسرائيل.

فالعرب قامت علاقاتهم مع الغرب ومع الولايات المتحدة على أسس اقتصادية ونفطية. ولا أحد يعرف كيف رضي العرب منذ ذلك الوقت عدم استخدام تلك الورقة الرابحة للقضاء على إسرائيل وليس فقط تهميشها أو تحجيمها من خلال إلغاء دور اللوبي الصهيوني في البيت الأبيض. وهي مسألة تحتاج لأبحاث طويلة ومعقدة.

وآخر أخطاء إسرائيل رفض مبادرات السلام العربية المختلفة مضيفة عليه في النهاية أجسم أخطائها متمثلة في حرب لبنان عام 2006 من ثم ضرب غزة عام 2008 لأسباب واهية وعدم القدرة على ضبط النفس أمام مضايقات حزب الله وحماس اللتين استدرجتاها إلى تلك الحرب. وخرجت منهما بخفي حنين. ولو استغل العرب فرصة ضرب غزة بتحريك بعض جيوشهم ولو على شكل مسرحي نحو الحدود الإسرائيلية ودون إعلان الحرب لتغيرت المعادلة بشكل كبير جدا.

اليوم تعلن حماس رسميا من طهران انضمامها إلى منظومة إيران ؟ سوريا ؟ حزب الله. فزيارة خالد مشعل إلى الجمهورية الإسلامية يعطي حماس دعماً متزايدا، وحماساً أكبر وكانت لجملته التي تصدرت موقع السي أن أن الالكتروني (نحن بخندق واحد سنة وشيعة) دلالاتها التي لا يسعنا التطرق إليها في هذا المقال.

نرجو أن لا تتوقف إسرائيل عن ارتكاب أخطائها، شريطة أن يستغلها العرب والمسلمون ليعيشوا في سلام ورخاء دائمين.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com