الحرب على الشعب الفلسطيني وقضيته وأهدافه الوطنية من بوابة قطاع غزة لم تضع بعد أوزارها، وتظللها سحابة كثيفة من الدخان يكاد يحجب الرؤيا عن الكثير من المتابعين والمهتمين بشؤون المنطقة.
ففي إسرائيل التي تعيش حراكاً سياسياً نشطاً على خلفية التحضير للانتخابات العامة التي ستجري في العاشر من فبراير الجاري، تشهد حملة قوية يشنها اليمين وعدد ليس بقليل من الكتاب والصحافيين، وأهل الرأي، تتهم حكومة أولمرت ووزير خارجيته بالتردد في حسم الحرب، وتشكك في الادعاءات التي تقول إن الحرب حققت أهدافها.
من بين أطراف الحكومة، ينفرد وزير الدفاع وزعيم حزب العمل بتلقي الثناء، والإشادة بدوره في إدارة الحرب، الأمر الذي منح حزبه فرصة تحسين موقعه الانتخابي بحيث بات يحصل حسب استطلاعات الرأي على سبعة عشر مقعداً، بعد أن كان قبل الحرب يحصل على نحو سبعة أو ثمانية مقاعد فقط.
وعلى أرض الواقع يستمر الفلسطينيون بين الحين والآخر في إطلاق قذائف صاروخية تذكر الإسرائيليين بأن حربهم التدميرية لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة وحدها الأدنى، وقف إطلاق الصواريخ.
ومع استمرار إطلاق صواريخ متفرقة، تقوم القوات الإسرائيلية بين الحين والآخر بقصف بعض الأهداف في قطاع غزة، فيما ترتفع نبرة التهديدات على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين بين تسيبي ليفني التي تدعو إلى رد فوري، واستخدام القوة المفرطة، ومتابعة الحرب، وبين براك الذي يلوح بالرد المناسب في الوقت المناسب، ولكنه يستبعد شن حرب جديدة كحرب الأسابيع الثلاثة.
وبالتالي رغم انشغالها بالانتخابات، تحاول إسرائيل مواصلة الحرب مستخدمةً بالتناوب الوسائل السياسية، والعسكرية من أجل تحقيق الأهداف، ومنها توظيف الدم الفلسطيني في المزايدات الانتخابية، وفي المقابل تجتهد الفصائل الفلسطينية لمنع إسرائيل من تحقيق أهداف الحرب ولكن في ظروف صعبة بسبب الخلافات العربية والإقليمية التي باتت تأخذ شكل المحاور والاستقطابات المتخاصمة.
ويبدو أن إسرائيل التي تسعى من أجل تحقيق انفصال قطاع غزة عن الحالة الفلسطينية ومن موقع إدراكها لتعارض مصالحها مع أولوية معالجة ملف الحوار الفلسطيني لإنهاء الانقسام كأساس لمعالجة الملفات الأخرى التي تتصل بالتهدئة، وملف شاليط، والمعابر، ورفع الحصار، من واقع هذا الإدراك اختارت إسرائيل التركيز على ملف التهدئة لمواصلة التحكم في كيفية معالجة بقية الملفات لصالحها.
في إطار المحاولات المصرية لمعاجلة ملف التهدئة، تقف الشروط الإسرائيلية والشروط الفلسطينية المقابلة لتفسر مدى التعقيد الذي يتصل بهذا الملف، ذلك أن إسرائيل تشترط استمرار التحكم في المعابر وتربط إمكانية فتحها بملف شاليط، فضلاً عن مراقبة تهريب الأسلحة، ووقف حماس عملية إعادة تسليح نفسها، وإقامة منطقة أمنية عازلة في قطاع غزة.
الجانب الفلسطيني يوافق على تهدئة لمدة عام، مشروطة برفع الحصار وفتح المعابر بشكل كامل، وترفض حماس الانصياع للشرط الإسرائيلي الذي يتصل بعملية التسلح. وفي الحقيقة فإن إسرائيل لا تتمتع بالمصداقية، وتجربة اتفاق التهدئة السابق الذي استمر لستة أشهر شاهداً على ذلك، هذا بالإضافة إلى أنه لا تتوفر أية ضمانات لالتزام الحكومة الإسرائيلية المقبلة إثر الانتخابات بما يتم الاتفاق عليه مع حكومة أولمرت التي توشك صلاحيتها على النهاية.
وفيما تجتهد القاهرة، في الاتصال بمختلف الأطراف من أجل إنجاز اتفاق للتهدئة يسبق دعوتها للفصائل الفلسطينية من أجل الحوار، وكل ذلك قبل المؤتمر الدولي الذي تحضره في القاهرة أكثر من ثمانين دولة في مطلع مارس المقبل، عاد الصراع لينفجر مجدداً بين الأطراف الفلسطينية المتصارعة والمنقسمة على خلفية إعلان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأخ خالد مشعل من الدوحة، نية حركته تشكيل مرجعية وطنية من داخل فلسطين وخارجها.
تصريح الأخ مشعل فُهم على أنه دفع لعملية الانقسام إلى نهايتها، حيث إن قبول هذه المرجعية في حال تشكيلها، من شأنه أن يضعها بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية التي يعتبرها الفلسطينيون أحد أهم إنجازات نضالهم الطويل باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ولكيانه السياسي المعنوي الذي يحظى باعتراف أكثر من مئة وعشرين دولة.
هكذا عاد التشاؤم بشأن نجاح الحوار الفلسطيني يطغى على التفاؤل، خصوصاً بعد أن أعلن الرئيس محمود عباس من القاهرة، أنه لا يمكن الحوار مع من لا يعترف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني.
هكذا عادت الأوراق والملفات لتختلط من جديد، بحيث يبدو وكأن معالجة ملفات التهدئة والحوار وفتح المعابر وإنهاء الحصار، وإعادة الإعمار، تحتاج إلى جملة من التوافقات، والتقاطعات تبدأ من الحالة الفلسطينية وتمتد إلى المستوى الدولي وما بينهما.
ففي حين طار مشعل إلى طهران، شهدت القاهرة لقاءً ثلاثياً مصرياً، فلسطينياً، سعودياً، انتقل إلى اجتماع وزاري في أبوظبي لما يوصف بدول الاعتدال العربية، فيما شكلت العاصمة الفرنسية محور تحركات سياسية على تواصل مع ما يجري في المنطقة.
هنا يبرز الدور التركي ليشكل محوراً عقلانياً ربما يستطيع إيجاد صيغ توافقية، خصوصاً بعد أن أبدت أوروبا الموحدة استعدادها للتعامل مع حكومة فلسطين تشمل حركة حماس، كتطور جديد يأخذ بعين الاعتبار عدم القفز عن دور الحركة، والحاجة لاستيعابها في إطار العمل السياسي.
تركيا التي انزعجت إسرائيل بمواقفها الداعمة للفلسطينيين وآخرها انسحاب رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان من قمة دافوس بعد ملاسنة مع شمعون بيريز، لا تزال تعمل بقوة على خط إقناع حركة حماس بضرورة الانضمام للعملية السياسية.
وتطالب إيران بالكف عن التدخل السلبي في الشأن الفلسطيني ومغادرة سياسة المحاور، الأمر الذي يجعل هذا الدور التركي قريباً من دول الاعتدال العربي، ومن المنطق الأوروبي ولكن من موقع الذي يساند حماس ويتفهم دورها.
ملفات أقرب إلى الأحجيات وأطراف كثيرة بأجندات ومصالح مختلفة ومتضاربة، وحراكات سياسية لا تتوقف من أجل استيعاب تداعيات الحرب على غزة وتكييف الأوضاع الفلسطينية لمتطلبات مواصلة العملية السياسية التي وضعتها إدارة الرئيس باراك أوباما على رأس أولوياتها.
ولكن فيما يتركز النشاط السياسي على تهيئة الأوضاع الفلسطينية والعربية والإقليمية للتعامل مع اتجاهات التغيير في السياسة الأميركية، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تشكل عنصراً هاماً يعمل في الاتجاه المعاكس، فيما لو كانت لصالح أحزاب اليمين وعلى رأسها الليكود.