هناك من يسعى لتشويه صورة روسيا لدى الأوربيين وتصويرها على أنها دولة ذات طموحات إستراتيجية وترغب في إظهار قوتها العسكرية لتخويف الآخرين بها، وقد استغل أصحاب هذا الاتجاه إعلان الرئيس ديمتري ميدفيديف في نوفمبر الماضي نية روسيا نشر منظومة صواريخ إسكندر في إقليم كاليننجراد الروسي في قلب أوروبا كوسيلة للترويج لدعايتهم المضادة لروسيا متجاهلا تماما الدوافع التي أعلنتها روسيا كسبب لنيتها نشر هذه المنظومة.

وهي الرد على نشر واشنطن لمنظومتها الدفاعية المضادة للصواريخ في أراضي مجاورة للحدود الروسية في بولندا وتشيكيا، وروسيا تتفهم تماما تخوفات الأوربيين من العودة لعسكرة أوروبا ونشر أجواء الحرب الباردة فيها، وهو المناخ الذي ترفضه روسيا تماما لأنه يعوق تطور العلاقات الروسية مع أوروبا في المجالات الاقتصادية والتجارية.

وقد أعلن ناطق باسم وزارة الدفاع الروسية أنه لا توجد لدى روسيا أي خطط محددة لنشر منظومة «اسكندر» الصاروخية في مقاطعة كالينينغراد، وهذا مجرد إجراء افتراضي يتوقف على خطوات الطرف المقابل.

وقبل ذلك أدلى زبغنيو بريجنسكي، أحد عمداء السياسة الأميركية بتصريح يستشف منه أن قضية نشر عناصر منظومة الدفاع المضاد للصواريخ (الدرع الصاروخي) في بولندا لا تزال موضع نقاش، وستتوقف إقامة المنطقة الثالثة للدرع الصاروخي على «سلوك روسيا».

وبعبارة أخرى، فان كلا من روسيا والولايات المتحدة أعلنتا للعالم عن استعدادهما لمناقشة مستقبل منظومة الأمن العالمي مع مراعاة رأي الطرف الآخر. وقد ناقش الخبراء هذه الإمكانية قبل ذلك بفترة طويلة، إذ إن مواصفات منظومة «اسكندر» التقنية التكتيكية تجعلها خير مرشح لدور المدمر للدرع الصاروخي الأميركي.

إن مدى منظومة «اسكندر» يصل إلى 280 كم، بينما تجهز القوات المسلحة الروسية بمنظومات مدى صواريخها يصل إلى 500 كم. ويرى خبراء في الصواريخ أنه من الممكن تزويد منظومة «اسكندر» بصواريخ ذات مسافات أبعد، في حال ما قررت روسيا فسخ معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى لعام 1987.

ومن الممكن تزويد منظومة «اسكندر» ليس فقط بصواريخ بالستية. فبوسع «اسكندر» إطلاق صواريخ مجنحة بعيدة المدى، كما أن من الممكن تزويد «اسكندر» بصواريخ مجنحة بعيدة المدى، يصل مداها إلى 2000 كم، وحتى 3000 كم، مما يتيح تدمير الأهداف في كافة أنحاء أوروبا الغربية.

وبوسع منظومة «اسكندر» في كالينينغراد (ومن المحتمل نشرها في بيلاروسيا) تهديد أراض شاسعة في بولندا بضربة مفاجئة، بما في ذلك باستخدام العبوات النووية. وتتيح سرعة نصب المنظومة وتجهيزها للإطلاق التي تستغرق بضع دقائق، ومواصفات الصاروخ نفسها، زيادة احتمال إصابة الأهداف.

ومن الممكن توضيح الإعلان عن إمكانية نشر هذا السلاح في مقاطعة كالينينغراد بسهولة، إذ أن نشر عناصر الدرع الصاروخي الأميركي في بولندا وتشيكيا يهدد قدرات روسيا النووية بشكل مباشر. وفي الحقيقة أن صواريخ الاعتراض التي تعتزم الولايات المتحدة نشرها في بولندا في المرحلة الأولى عاجزة عن صد ضربة واسعة لقوات الصواريخ الإستراتيجية والغواصات حاملة الصواريخ الروسية، ولكن أهمية صواريخ الاعتراض هذه تتزايد بدرجة لا تقدر بعد الضربة النووية الأميركية المحتملة الأولى لروسيا.

وستعالج صواريخ الدرع الصاروخي الاعتراضية في هذه الحال، عددا محدودا جدا من الصواريخ، التي تنجو من الضربة الأولى، مما يتيح للولايات المتحدة التعويل على الانتصار. من الواضح أن مصير سباق التسلح الجديد يتوقف في الغالب على موقف الإدارة الأميركية الجديدة. ولم يبد باراك أوباما ميلا كبيرا إلى حل المشاكل في العلاقات بين واشنطن وموسكو بالقوة.

وبهذا الصدد طرحت مرارا افتراضات حول إمكانية أن يصبح مصير المنطقة الثالثة للدرع الصاروخية، وكذلك نشر منظومة «اسكندر»، موضوع مساومة بين موسكو وواشنطن، ويدخل في المساومة بحث مصالح كل من الطرفين لدى الآخر، وخاصة حاجة الولايات المتحدة وحلف الناتو لتعاون روسيا معهم في أفغانستان. وتؤكد تصريحات الجانبين الأخيرة هذا الافتراض. ولا يبقى إلا انتظار نتائج جولة جديدة في هذه اللعبة السياسية الكبيرة.

luon1935@kin.ru