كنت أتحدث مع صديقي عبر الهاتف، فسألته إن كان مصاباً بالزكام، حيث كان صوته حزيناً، فقال لي بأن صوته تغيّر منذ فترة بسبب قلة النوم. قلت له بأن طبيباً صينياً قال لي مرة:«النوم مثل الدَّيْن، كلما أخذت منه، كلّما ثقلت الحياة واسودّت في وجهك.
وإذا لم تسدد هذا الدَّيْن في أسرع وقت، فإن شيئاً سيئاً سيحلّ بك لا محالة». لم يملك صديقي إلا تأييدي فيما قلت، وزاد بأن أخبرني أنه عاد قبل أيام من رحلة عمل في دولة أوروبية، وكانت اجتماعاته تمتد حتى الساعة الخامسة مساءً، أي إلى انتهاء وقت العمل الرسمي. عندها، يحمل الجميع حاجاته وينصرف إلى البيت.
في أول الأيام كان يتّصل بشركائه بعد الساعة الخامسة لاستيضاح بعض النقاط التي غابت عنه في الاجتماع. في بادئ الأمر تقبّلوا اتصالاته، ولكن بعد يومين قال له أحدهم بأنه لا يأبه به أو بعمله، فلديه يوم عمل كامل، من التاسعة وحتى الخامسة ليقول ما يريد، أما ما بعد ذلك فهو وقت الراحة.
قلت له بأننا تطبّعنا بطبع الآلة، فأصبحنا نعمل طالما أن هناك بنزينا، أي (أكل) وما لم يوقفنا النوم فإننا سنظل نعمل على مدار الساعة حتى انتهاء تاريخ صلاحيتنا. كلّما أرى شخصاً يعمل بهذه الطريقة ؟ وأنا واحد من أولئك ؟ أتذكر محل (إيكيا) للأثاث الذي يعرض آلات في غرف زجاجية، تضغط على كرسي أو تفتح باب دولاب باستمرار طوال اليوم لإقناع الزبائن بمتانة البضاعة. كنّا نعمل من أجل التنمية، ثم من أجل الإنجاز، واليوم، فإننا نعمل من أجل العمل فقط. وكلّما سوّلت لنا أنفسنا أخذ قسط من الراحة، نتذكّر قول شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
ونسينا أنه قال أيضاً:
دقّات قلب المرء قائلة له... إن الحياة دقائق وثوان
أتساءل دائماً، هل على المرء أن يستميت في عمله ويضحّي بوقته ووقت عائلته وأصدقائه، ويضرب بصحّته عرض الحائط، لكي يكون إنساناً ناجحاً ومميّزاً؟ أليست التنمية التي نسعى لها ونتغنّى بمفرداتها هي من أجل الإنسان؟ أي من أجلنا نحن، وليست من أجل الأسماك أو الحيوانات؟ أم أنها تنمية من أجل التنمية فقط، ولا ناقة للإنسان فيها ولا جمل؟
نقرأ كثيراً عن ثورة الاتصالات، ونذكر كلمة ثورة دائماً بإيجابية، ونغفل الجانب السلبي لها والمتمثل في بقائنا على اتصال دائماً. نجلس في البيت والهاتف النقّال إلى جانبنا. نذهب إلى المسجد والهاتف في جيوبنا. الهاتف يرنّ في السيارة فنهرع للرد عليه. وفي العمل، يعتبر الهاتف قريناً للتنمية، أو بالأحرى، قريناً للعبودية التي لا أعرف كيف أوصلنا لها هذا الجهاز الصغير.
يخاف أحدنا أن يمارس رياضة المشي على البحر دون أن يكون الهاتف معلقاً في خصره وسمّاعته تئنّ في أذنه. وإذا اتصل بنا أحد ولم نرد عليه، فإن أول شيء نقدمه عندما نتصل به هو الاعتذار عن التأخير، وكأننا ملزمون بالرد على أي شخص في أي وقت.
عندما يسمع أحدنا عن صديق أو قريب أصيب بمرض عضال كالسرطان مثلاً، فإن الدنيا كلّها تتوقف أمام عينيه لثوانٍ معدودة. يراجع فيها ؟ دون أن يشعر ؟ كل حساباته التي تظهر له في النهاية بالسالب. يضع نفسه مكان ذلك المريض، فيقول:«لو كنت مكانه لبكيت على نفسي أشد البكاء. فما قيمة كل ما أبذله من جهد أمام حياة خالية من العاطفة، خاوية من الشعور؟
لم أر أمي منذ عدة أشهر. لم أقض يوماً كاملاً مع أطفالي منذ سنوات... حتى زوجتي أصبحت جزءاً من أثاث البيت». عندما نسمع خبراً سيئاً كهذا يتهاوى كل عمل قمنا به أمام أعيننا، لأننا تركنا الأهم إلى المهم، وللأسف، فإن أكثرنا يعود إلى نفس الدوامة بعد أيام قليلة.
حتى قراءاتنا أصبحت أغلبها صلبة، جامدة، فنحن نقرأ عن العولمة، والسياسة، والإدارة، وغيرها حتى نصير كتلة فكرية جامدة تسير على الأرض. كم منّا قرأ ديوان ابن زيدون؟ أو طوق الحمامة لابن حزم؟ أو رواية توم سوير لمارك توين؟ أو مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم؟
وكم منا يشعر بتأنيب الضمير عندما يقرأ هذه الكتب لأنه يضيع وقته سدى في كتب «ليست جادة» كما قال لي أحد الأصدقاء. أما إذا ما طُرح كتاب مثل «كفاحي» لهتلر فإن الجميع يهرع ليقرأه أو يعلّق قصاصات منه على طاولة مكتبه.
في عطلة نهاية الأسبوع، نتّجه إلى الأسواق لنرفّه عن أنفسنا. الأسواق التي يملأها الصخب، والأضواء الساطعة، والأنفاس المتسارعة للوصول إلى نهاية العالم! إننا نضيع في الأسواق أجمل أيام حياتنا، وأوقات راحتنا لنعبر طوفاناً بشرياً، فنصطدم بهذا، وندفع بذاك حتى نصل إلى كرسينا المفضل في مقهى يزيد فيه الناس عن الكراسي، لنشرب فنجان قهوة أكثر مرارة من الحياة التي نعيشها. كم واحد منا لديه هواية أو رياضة يمارسها بانتظام، كل أسبوع، مرة واحدة على الأقل؟
يقول أبو الفتح البُسْتي:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته... لتَطلُبَ الرِّبح في ما فيه خُسرانُ
أقْبِلْ على النفس فاسْتَكْمِل فضائلَها... فأنتَ بالنفس لا بالجسمِ إنسانُ
في عام 1600م بُنيَ في مدينة فينسيا الإيطالية (أو البندقية) جسر يربط بين قصر «دوتشي» الذي كان مقرّاَ لحكومة المدينة، والذي به تقع قاعة المحكمة، وبين السجن القديم. وعبر هذا الجسر كان السجناء يُنقلون من قاعة المحكمة إلى السجن بعد صدور الحكم عليهم.
وتقول الحكايات في فينسيا، إن السجناء كانوا يطلبون من السجّانين أن يسمحوا لهم بالوقوف على الجسر لبضع دقائق ليلقوا آخر نظرة على المدينة الساحرة، وكانوا في تلك الدقائق القصيرة يتنهّدون قبل أن يُجرّوا إلى سجن مظلم لسنوات طويلة، وأحياناً إلى آخر العُمر، فسمّي «جسر التنهدات».
كلّنا في حاجة إلى جسر خاص به، ليلقي من فوقه نظرة على جمال الحياة، وروعة الدنيا. جسر نلتقط من فوقه أنفاسنا، ونتنهد منه مرة واحدة في الأسبوع لأنها قد تكون المرة الأخيرة. ليكن جسرك هو بيتك، أو حديقتك، أو كتابك، أو فنجان قهوتك الصباحي، أو كرسي صغير مطل على البحر، أو كثيّب رمل تراجع من على قمّته حياتك، أو تشاهد الأفق... لا تهم ماهيّة الجسر أو مكانه أو حتى توقيته، المهم هو ألا تمرّ عليه دون أن تعرف ماذا ستقول للقاضي إذا ما وقفت بين يديه.