لا احد يختلف على ان الحركة الشعرية في الإمارات لها نصيب الأسد في المشهد الثقافي، وهذا الحضور الكبير لم يولد بين يوم وليلة، ولم يأت طارئا ولا مشروعا ثقافيا حديثا برز مع المشاريع الثقافية الحديثة في الدولة، ولكنه ارث يمتد عبر الزمن لمئات السنين، فاهل الإمارات كانوا ولا يزالون يعتبرون الشعر في حياتهم نفسهم اليومي، وهو مصدر حكمتهم، ولا عجب في الإمارات ان ترى الشعر في كل بيت.
وان توليه القيادات في البلد مكانته البارزة، وان تتبوأ عرشه شخصيات قيادية بارزة تثريه وتدعمه، فهو الحامل الأول للثقافة الإماراتية، وفيه كنوز مشاعرهم ومواقفهم وهو دفتر التاريخ على مر السنين، فالذي يتصفح منجزات وتراكمات التجربة الشعرية الإماراتية على اختلاف ضروبها سيجد سجلا لثقافة شعب اتكأ على الشعر كحامل للحكمة والفكر.
ومن يبحث عن فكر أهل الإمارات ومقولاتهم وحكمتهم وتفاعلاتهم ومنجزهم الحضاري عليه ان يفتح هذا السجل لكي يقرأ تفاصيل ثقافتهم. فليس هناك أهم من منجز التجربة الشعرية المحلية التي استطاعت ان تصطاد الحراك والتفاعل وتسجل حتى الملامح المجتمعية والإرهاصات المختلفة عبر الزمن.
الشعر الشعبي، أو قصائد النبط لها النصيب الأعظم من هذا الإرث الذي يمتد ويعيش إلى اليوم، وبالرغم من دخول تجارب وتيارات التجديد على الحركة الشعرية والإبداعية فيها، بقى الشعر الشعبي والنبطي يحتل القاعدة الأوسع من المتذوقين والمتعاطين له. الا ان كل هذا المنجز الكبير والضخم لم يتعرض إلى اليوم لقراءة نقدية بناءة تفتح نوافذ كنوزه وترقيه بالدراسات والبحوث، قليلة هي البحوث حول الشعر في الإمارات.
وان كانت فان الكلام حول جمالياته وفنونه ورموزه من الشعراء يبقى اقل من كم القصائد والأبيات..الناس تقرأ الشعر وتسمعه ولكنها لا تقرأ حوله ولا حول مضامينه ولا تتعاطى الإبداع النقدي الموازي له. في المكتبات مئات من الدواوين لشعراء قدامى وشعراء معاصرين لكن يبقى شح الدراسات حولها وحولهم هو الحلقة الأضعف.
اليوم نشهد هذا الاحتفاء الكبير بالشعر، وهو ليس الأول من نوعه وإنما هو امتداد لحركة شعرية تتنفسها رئة الثقافة المحلية منذ عصورها الأولى من برامج ومن ملتقيات شعرية ومهرجانات هي امتداد لمجالس الشعر القديمة.
وهذا مفرح ان نبقي على أهم جانب من جوانب الإبداع الذي تميزت به البلد، لكن ولأن هذا الشعر الذي انتجناه ومازلنا ننتجه يبقى بحاجة للدراسة ولتأملات النقد، فالنقد هو منجز إبداعي آخر يفتح نوافذ العقل والفكر والقلوب لتتبع انهار وجداول هذا العطاء الإبداعي الإنساني..فهل يمكن تأسيس مركز لدراسات وبحوث الشعر الذي تنتجه ثقافتنا المحلية لكي يكون منارة للأجيال ولكي لا تبقى أبيات الشعر وحدها تقاوم سهام الثقافات المواجهة؟
