«المالكي والعلمانيون يزيحون الأحزاب الدينية قليلاً عن مواقعها»، نص مثير، لم تتردد صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في الثاني من فبراير الجاري، في وضعه عنواناً للخبر الذي نشرته حول مسار الانتخابات التي جرت في أربع عشرة محافظة عراقية في الحادي والثلاثين من يناير المنصرم. ومع أن هذه الصحيفة قد قصدت في هذا العنوان لفت نظر القارئ إلى التغيير الكبير الذي يجري في العراق.
إلا أن ما جرى في هذه الانتخابات أكبر من مجرد إزاحة قليلة للأحزاب الدينية عن مواقعها. تميزت الانتخابات بضعف نسبي في إقبال الناخبين فقد بلغت نسبة المشاركين 51 % فقط، كما كشفت عن وجود ثغرات كثيرة في العملية الانتخابية أبرزها عدم وجود قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية ويحدد معايير منحها الترخيصات لممارسة عملها.
كما كشفت الانتخابات عن عدم وجود فرص متكافئة أمام المرشحين لعرض برامجهم أمام الناخبين، فبعضهم قد دخل الساحة الانتخابية بقدرات ترويجية عالية في حين دخلها آخرون بما يمتلكون من قدرات متواضعة. كما رصد المراقبون وهم جهات محلية (تمثل الكتل السياسية المشاركة في الانتخابات) وجهات أخرى عربية ودولية، وبمشاركة فعالة من بعض منظمات المجتمع المدني، مظاهر يُعتبر بعضها غير صحي والبعض الآخر يتعارض مع القواعد الانتخابية الديمقراطية منها:
- استخدام الرموز الدينية في الترويج من قبل بعض الكتل السياسية سواء بظهور المسوحات الدينية في الدعاية الانتخابية، أو الاختباء خلف بعض المرجعيات الدينية في الترويج لبرامجها الانتخابية.
- عدم الالتزام بالصمت الانتخابي المحدد بمدة أربع وعشرون ساعة قبل موعد الاقتراع.
- وجود مواد ترويجية لبعض الكتل السياسية في المساحات التي تحيط ببعض المراكز الانتخابية والتي يمنع فيها الترويج.
- إخلال بعض رجال الأمن بواجبهم في بعض المراكز الانتخابية وعدم الالتزام بالحيادية التامة خلال قيامهم بتوفير الحماية والأمن فيها.
- استخدام المال العام أو اللوجستيات التابعة للقطاع العام في الدعاية .
- عدم التدقيق في مصادر الأموال التي استخدمت من قبل بعض الكتل السياسية في الترويج لبرامجها.
- دخول دبلوماسيين من دولة مجاورة إلى بعض المراكز الانتخابية دون الحصول من المفوضية العليا للانتخابات على وضع المراقب، وهو سلوك فض مخالف للعرف الدبلوماسي.
- عدم قدرة أعداد كبيرة من الناخبين على الإدلاء بأصواتهم لأسباب بعضها يتعلق بعدم تحديث السجلات الإنتخابية، وبعضها يتعلق بوضعهم كمهجرين من محافظاتهم لا يستطيعون الإدلاء بأصواتهم في محافظات أخرى، وبعضها بسبب بُعد مراكز الاقتراع وصعوبة الوصول إليها في ظل حظر التجول الذي فُرض في يوم الانتخابات.
- قيام بعض الكتل السياسية بشراء أصوات الناخبين بطرائق مختلفة منها الدفع المالي المباشر أو تقديم معونات عينية أو تقديم الوعود بالتعيين في الوظائف الحكومية مستغلة حاجة الشرائح الفقيرة والفئات العاطلة عن العمل.
ورغم هذه السلبيات، وهي بكل تأكيد ليست قليلة، إلا أن الانتخابات كانت خطوة هامة نحو تحقيق استقرار العراق على أسس وطنية ترضي العراقيين وممارسة تبشر بتحول هام في العراق يضع البلد، بعد عدد من سنوات الضياع والتمزق، على طريق أكثر أمناً. ويبدو أن النتائج النهائية ستحمل بعض المفاجئات التي لم يتوقعها كثيرون، وهي تراجع كبير في الخطاب الديني وتحول ملحوظ نحو الطابع المدني للدولة العراقية.
فقد بينت النتائج الأولية التي نشرت بأن أبرز ما حققته هذه الانتخابات هو:
1- إزاحة الكتل السياسية التي سيطرت على مجالس المحافظات منذ الانتخابات الماضية عام 2005 وأبدالها بعناصر جديدة تنتمي إلى كتل سياسية أخرى لا ترفع شعارات دينية مع أن بعضها ديني الطبيعة إلا أنه قد يكون في طور التحول نحو الطابع المدني والخروج من العزلة التي تفرضها أجواء الانتماء إلى الفئة وليس إلى الكل. والحقيقة ان هذا التحول في مزاج الناخب قد لا يكون بدافع الوعي بأهمية الطروحات المدنية لمستقبل العراق ومستقبل حريته اشخصية فحسب .
وإنما بدافع قوي آخر كذلك، فمعظم من شغل عضوية مجالس المحافظات قد فشل في تبرير وجوده فيها، إذ لم يلمس المواطن العراقي من أعضاء مجالس المحافظات سوى الإهمال والانشغال بتعزيز النفوذ وتحقيق المنافع الشخصية والتفريط بالمصالح الوطنية، وتبددت الوعود المعسولة التي قطعت للناخب.
وليس من الخطأ القول بأن الناخبين قد قاموا بمعاقبة مجالس المحافظات السابقة من جهة وفتحوا أعين أعضاء المجالس الجدد على حقيقة أن بقاءهم في مواقعهم رهن بقيامهم بواجباتهم وتحقيق الوعود التي حملتها أجندتهم الانتخابية.
2- إنهاء التكتلات السياسية التي بنيت على أسس طائفية وتمزيقها شر ممزق حين ابتعدت بعض مكوناتها عن الخطاب الديني واختارت نهجاً أكثر انفتاحا .
3- تهدئة مخاوف عدد كبير من العراقيين من الدعوات الفيدرالية التي تبنتها بحماس بعض الكتل السياسية بطريقة تثير الشكوك حول النوايا الحقيقية لهذه الدعوات، فقد تراجعت شعبية هذه الكتل بشكل ملحوظ في محافظات الوسط والجنوب، ولم يعد لديها من الخيارات سوى إخلاء مواقعها.
4- عودة الوعي لقطاعات كبيرة من الشعب العراقي الذين لم تغرهم الأموال التي قدمتها بعض الكتل السياسية لشراء أصواتهم، ولا أخافتهم التهديدات الجوفاء بغضب المقدس على من لا يمنح ثقته لمرشحيهم. فقد وقف هؤلاء في الحملة الانتخابية موقف الدفاع عن مصالحهم ومنحوا أصواتهم لمن استشفوا فيه رغبة حقيقية وقدرة على خدمة جمهوره.
5- تعزيز دور مختلف الأطياف الليبرالية والعلمانية في العملية السياسية حيث حصلت الكتل السياسية التي ينتمون إليها على نسب غير قليلة من الأصوات في معظم المحافظات وبضمنها المحافظات ذات الطابع الديني.
6- ولادة قوى سياسية جديدة، سنية وشيعية، لا تتبنى الخطاب الديني بل تنزع نحو الخطاب الوطني ذو الطبيعة المدنية التي تعزز الوحدة الوطنية العراقية. وسيكون لهذه القوى شأن كبير في تحديد مسار العملية السياسية بعد مجيء مجلس نيابي جديد، مع نهاية العام الحالي، تتجلى فيه معالم التغيير التي شهدنا بعضها في الانتخابات الأخيرة، خاصة إذا نجحت المجالس الجديدة في أن ترقى إلى مستوى طموح الناخبين في ممارساتها، ونجحت في إقامة نمط جديد من العلاقات مع مواطنيهم.