لعل الموقف التركي من حرب غزة والذي شهد تعرجات واختلافات على مدى الفترة التي استغرقتها الحرب والفترة التي تلتها من المواقف التي تتطلب تفسيرات وتعليقات لأنها لو انتزعت من سياقها سيحتار المراقب في تفسيرها أو فهمها.

ففي بداية الحرب سعت تركيا إلى الوساطة بين أطرافها من اجل وقفها، ثم تشددت في مواجهة الهجمات الإسرائيلية الوحشية ضد شعب غزة بما وصل إلى حد أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان وجه انتقادات لاذعة إلى إسرائيل بسبب حربها في غزة، وطالب بمنعها من دخول الأمم المتحدة لتجاهلها قرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن.

وحث العالم على ألا يغض الطرف عن «وحشية» إسرائيل. وقال اردوغان «كيف لبلد يتجاهل تماما ولا ينفذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يسمح له بالدخول إلى الأمم المتحدة».

ولكن وبعد الحرب وجه أكثر من مسؤول تركي انتقادات لحركة حماس حيث قال وزير الخارجية التركي علي باباجان أن الحكومة التركية دعت حركة «حماس» إلى انتهاج أساليب سلمية لتحقيق أغراضها بدلا من الكفاح المسلح، وأضاف «نقترح أن يعملوا داخل إطار النظام السياسي. حماس حصلت على 44 في المئة من الاصوات في الانتخابات الماضية. من المستحيل تجاهل هذه القاعدة».

ويبدو من هذة التصريحات أنها تعبر عن اختلاف الموقف التركي في بداية الحرب عنه في نهايتها.

ولكن الحاصل انه في بداية الحرب كانت تركيا تسعى من خلال علاقتها الطيبة بكل من حماس وإسرائيل من اجل وقف الحرب وكانت في هذا الأمر تتحرك من دوافع إنسانية أولا ومن اجل أن تؤكد أنها أصبح لها دور مركزي في تفاعلات منطقة الشرق الأوسط، ولكن تطورات الحرب والصراعات التي جرت بين الفاعلين الكبار في المنطقة حول الدور الإقليمي لكل منهم أجهضت المحاولات التركية، التي كان يمكن أن تنجح لو استجابت لها إسرائيل في البداية، من هنا كان الموقف التركي المتشدد تجاه إسرائيل بعد الأيام الأولى لبدء الحرب.

ولكن الذي حدث أن هناك عدة أسباب أدت إلى حرص الحكومة التركية على إظهار وجود مسافة بينها وبين حركة حماس، أولها الانتقادات التي وجهت لها من قوى داخلية ومن وسائل الإعلام التركية، حيث تعرضت الحكومة التركية للانتقاد بسبب لغتها المتشددة ضد إسرائيل خلال الهجوم على قطاع غزة. واتهمت أحزاب المعارضة التركية ودبلوماسيون سابقون وكتاب افتتاحيات حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان باتخاذ موقف موال ل«حماس».

وفي الخارج تعرضت لانتقادات حادة من قوى جماعات يهودية حيث أعلن وزير الخارجية التركي أن بلده تلقت بيانات مكتوبة وشفهية من منظمات يهودية قلقة خاصة في الولايات المتحدة. وقالوا فيها إن معاداة السامية ستأخذ قوة دفع وان العلاقات التركية الإسرائيلية ستتضرر. وان بلاده تضع ردود الأفعال هذه في الاعتبار.

وبالطبع فإن تركيا التي تسعى جديا للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي وتجري محادثات مع الاتحاد في هذا الخصوص، وهي لا تريد أن تقلب اللوبيات اليهودية ضدها في هذه المرحلة فضلا أن أنها لا تريد أن تتصور الاتحاد الاوروبي أن تركيا قريبة من حماس، وهي بتصريحات وزير خارجيتها تريد أن تقول لأوروبا أنها من خلال علاقتها بحماس تسعى لأن تدفعها للتخلي عن العنف والتشدد وتبني مواقف سياسية معتدلة.

ففضلا عن أن بعض المواقف السياسية لحماس لا يمكن الدفاع عنها، فان تركيا ترى أن أوروبا والولايات المتحدة الأميركية اي العالم الغربي الذي تريد أن تنتمي إليه رسميا تريد أن تعزز من مواقف السلطة الوطنية الفلسطينية المكونة من حركة فتح بالأساس على حساب حماس.

وهي لا تريد أن تتبنى مواقف سياسية تتنافى مع هذا النهج . يضاف إلى ذلك أن تركيا تريد أن تتناغم مواقفها مع دول في المنطقة تتعامل معها باعتبارها حليفة مثل مصر والسعودية والأردن، ففضلا عن الطابع المذهبي لعلاقات هذه الدول بعضها البعض، فإن هناك هاجسا قويا يجمع فيما بينها يتعلق بالخوف من امتداد النفوذ الايراني في المنطقة المحيطة بها، ومعظم هذة الدول ترى أن أي نصر تحققه حماس هو في المحصلة النهائية إضافة إلى النفوذ الايراني في المنطقة.

وبالطبع فإن دوائر صنع القرار في تركيا بدت في مراجعة الموقف في المنطقة في ظل أحداث غزة وبدأت في حساب الحساسيات المختلفة المتعلقة بما دار ويدور في المنطقة انطلاقا من هذه الأحداث، ويبدو أن مراجعة الموقف دفعت تركيا إلى مراجعة سياستها تجاه الأطراف الفاعلين في المنطقة ومنهم حماس وإسرائيل وباقي الدول الرئيسية في المنطقة، ومن هنا نستطيع أن نفهم تحولات الموقف التركي انطلاقا من كافة هذه الحساسيات، لأنه أصبح يتفاعل مع تطورات المنطقة وحساسيتها وليس فقط من مواقف مبدئية أو إيديولوجية.

وإذا كان بعض المراقبين رأوا في بداية الأزمة أن الدول الإقليمية الكبرى وعلى الأخص مصر سلمت لتركيا بموقف رئيسي انطلاقا من الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المصري احمد أبو الغيط لأنقرة والتي قيل انه طلب من تركيا خلالها تسويق المبادرة المصرية في الخارج ولدى حماس، فإننا لايمكن أن نستبعد انه قد يكون قام بالزيارة من اجل التنسيق مع تركيا ومن اجل دفعها إلى عمل حساب للحساسيات الإقليمية التي سبق لنا الاشاراة إليها، ويمكن أن يكون التحول التدريجي في الموقف التركي قد بدأ من هذه النقطة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com