عندما تتدخل روسيا بشكل مباشر وبفاعلية في منطقة معينة في العالم فإن هذا لا يعني فقط أن لروسيا مصالح خاصة بها في هذه المنطقة، بل قد يعني أحيانا أن روسيا تتوقع أشياء أو أحداثا خطيرة سوف تقع في هذه المنطقة وتسعى لدرئها أو للحيلولة دون وقوعها، وهذا ما سبق أن حدث عندما قرر فلاديمير بوتين عندما كان رئيسا لروسيا في أكتوبر 2007 التوجه لزيارة إيران في وقت كانت فيه كل المؤشرات تشير إلى استعدادات جادة من الولايات المتحدة لشن هجوم على إيران، الآن يبدو أن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بات يولي اهتماما كبيرا للسودان.
حيث أرسل ممثلا خاصا له هو النائب ميخائيل مارغيلوف إلى الخرطوم وأيضا إلى جنوب السودان وإلى دارفور لإجراء مباحثات مع جميع الأطراف، وأعلن مبعوث الرئيس الروسي مارغيلوف أنه من المتوقع عقد مؤتمر دولي في موسكو حول الأزمة في إقليم دارفور وجنوب السودان. وقد التقى مارغيلوف الرئيس السوداني عمر حسن البشير الذي دعم مبادرة موسكو برعاية مؤتمر دولي بحضور خبراء من مختلف أنحاء العالم إلى جانب الطرف السوداني. وأكد البشير أن السودان يعول كثيراً على مواقف روسيا الاتحادية في الساحة الدولية، بعد أن بدأت تستعيد قوتها ونفوذها على هذا الصعيد.
وقد لقيت فكرة المؤتمر الدولي في موسكو ترحيبا واسعا من قبل قيادة السودان ووسائل الإعلام السودانية. آملين ان يضم هذا اللقاء خبراء من أطراف مختلفة لبحث مجمل مشكلات السودان، ليس قضية دارفور فحسب، بل والعلاقة بين الشمال والجنوب والتدخلات الخارجية وغيرها من الملفات المعقدة التي يعاني منها السودان.
موسكو تدعو دائماً الى حل القضايا بالطرق الدبلوماسية دون استخدام العنف والقسر ودون فرض شروط من جانب واحد.
وعلى ما يبدو أن هناك رغبة شديدة لدى كافة الأطراف السودانية بأن يكون لروسيا دور أكثر حيوية في تسوية القضايا السودانية، وان يكون لها موقف واضح ونشيط في مجلس الأمن الدولي، وخاصة بالنسبة لموضوع المحكمة الدولية والاتهامات الموجهة للرئيس السوداني أمامها، والمسائل الأخرى المتعلقة بدارفور وجنوب السودان.
الواقع أن روسيا تعتبر طرفا محايدا تماما في السودان، وليست لها أية مصلحة في ترجيح كفة إحدى الجهات ضد الأخرى، كما أنه ليست لروسيا أية أطماع استعمارية ولا هيمنة ولا استغلال لموارد وثروات الشعب السوداني أو غيره من شعوب العالم، وهذا أمر معروف للجميع، وقد دحض المبعوث الروسي مارغيلوف تلك الشائعات الزاعمة بان روسيا تشارك عسكرياً في الحروب الداخلية السودانية الى جانب الحكومة.
مؤكداً أن روسيا لا تشارك في أية حروب في القارة الإفريقية، أما مشاركة بعض الطائرات المروحية الروسية في عمليات حفظ السلام في جنوب السودان ودارفور فهي تجري ضمن القوات الدولية العاملة هناك بقرارات من الأمم المتحدة.. وليس لروسيا عسكريون أو مستشارون يعملون إلى جانب القوات السودانية سواء في دارفور أو الجنوب.
خلاصة القضية أن روسيا تشعر أن هناك مخططا أميركيا للدخول في المنطقة عن طريق الصومال بحجة محاربة القرصنة، ومنها إلى السودان بحجة محاربة ما أسموه في واشنطن بـ (الإبادة الجماعية) في دارفور، وأن هذا المخطط يهدف إلى إفشال اتفاق السلام بين شمال السودان وجنوبه، وأن واشنطن تعد لإشعال حرب واسعة في السودان،.
وهذا المخطط - حسب مصادر روسية ـ معروض على الرئيس الأميركي الجديد أوباما، وأن معظم مستشاري أوباما ورجال إدارته يؤيدون هذا المخطط، ولهذا تسعى روسيا لإحباط المخطط بمساعيها للتسوية السلمية بين الأطراف السودانية، وأيضا بمشاريع استثمارية روسية كبيرة سوف توجه لجنوب السودان وشماله وأيضا إلى إقليم دارفور، وتلقى التوجهات الروسية في السودان دعما وتأييدا ليس فقط من السودانيين بل أيضا من الصين ودول أوروبية كبيرة لا تريد أن تشعل أميركا حربا جديدة في أفريقيا بالتحديد.
كاتبة روسية