تعوّد الساسة الإسرائيليون أن تكون دول العالم متفهمة ومتوازية معها في الخطاب السياسي الذي يعبر عن الانصياع والخضوع بفضل الهيمنة الأميركية التي لم تدع أمام هذه الدول فرصة لمخالفتها الرأي أو الخروج عن نصها السياسي، ويبدو أن الكيل قد طفح في الأسابيع الأخيرة التي شهدت تعنت وجبروت الترسانة العسكرية الإسرائيلية في حربها ضد أبرياء غزة.
ولم يعد من اللائق السكوت على المجازر اليومية التي راح ضحيتها أطفال ونساء ومدنيون مما يخرج المرء من دائرة الصمت إلى فضاء هستيري يعبر عن كثير من غضب وحنق، وإذا كانت الدبلوماسية قد تفرض قيودها وانتقائيتها على صياغة أي ردة فعل للسياسيين المحنكين من أبناء العروبة، إلا أن البعض اختار أن يوجه صفعة مباشرة ودون تردد للهرم السياسي الإسرائيلي وأمام الملأ علّه «يفش» .
ولو الشيء القليل مما يعتمل في النفوس، فها هو رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي يرفض أن يكون مجرد دمية في يد السياسة الأميركية ليعلن موقفه بصراحة وبشجاعة أيضاً يحسده عليها كثير من الساسة العرب الذين يفتقدون إلى مفردة الشجاعة الأدبية، والذين لا يزالون يفاخرون بمصافحة العدو والجلوس معه والاستماع له بعقلانية وبتفهم نادر.
ولعل أردوغان بانسحابه من الجلسة التي جمعته ببيريز ثم انسحابه من منتدى دافوس بشكل عام، قد أعلن موقف بلاده من هيمنة السياسة الإسرائيلية على الرأي العام العالمي، ووضع حدا لمن يقمع الصوت الأخر، وكما قال الرئيس التركي عبدالله غول «لقد قام أردوغان بما هو ضروري»، فمغادرة منتدى مثل دافوس له ثقله الاقتصادي وفي فترة ركود اقتصادي كبير وأزمة مالية عالمية، يعد من وجهة نظر البعض موقف شجاع.
وبالعودة إلى الموقف التركي من القضية الفلسطينية وتبعات أحداث دافوس الأخيرة، وجدت الحالة التركية هذه دعما غير مسبوق من قبل العالم الإسلامي ولاسيما العربي، وأصبح أردوغان بطلا ملهما، عبّر عن رغبة الملايين في هذا الرفض الذي أعاد تركيا إلى المنظومة الإسلامية بخاصة .
وان تركيا من الدول التي وقعت اتفاقا مع الدولة العبرية أساسه التدريب العسكري بين جيشيهما، ومنذ ذاك الحين والعلاقة بين العرب وتركيا تشهد تأرجحا صعودا وهبوطا، إلا أن حرص تركيا على عدم خسارة كلا الطرفين واستمرارها في مسلسل التوازن في السياسة الخارجية بين مد عرب فلسطين بالمعونات الاقتصادية وبناء مدن اقتصادية، وبين تمتين العلاقات السياسية بإسرائيل من خلال تدريب الطيارين الإسرائيليين وتبادل الزيارات الودية.
ولعل من المعروف أن العلمانيين في تركيا يلعبون دورا في تصعيد العلاقات التركية بإسرائيل نحو القمة حيث ينطلقون من رؤيتهم لهذا الكيان على انه الديمقراطي الوحيد في منطقة تسيطر عليها الديكتاتوريات، مما جعل التقارب بين إسرائيل وبين حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي موظفا كي يحظى هذا الحزب برضا العلمانيين الذين لا يزالون يراهنون على نجاحه.
لكن من يرى التصريحات الأخيرة لأردوغان يكتشف أن ما حدث في دافوس لم يكن موقفا عارضا، بل موقفا سياسيا ينطلق من مبادئ رصينة، فأردوغان أعلن وبصراحة وقفته مع أبناء غزة وضمنيا مع حماس التي من وجهة نظره لم تمنح الفرصة للتحول إلى حزب سياسي، وقد نال أردوغان مقابل موقفه هذا الكثير إلى درجة قيام بعض الصحف التركية والمعارضة باتهامه بأنه يؤيد «حماس» التي تعتبرها الدول الغربية «منظمة إرهابية»، فما كان إلا أن يرد موضحا موقفه بقوله: «أنا لست زعيم عشيرة، أنا رئيس وزراء تركيا. وقمت بما كان يجب أن أقوم به».
ورغم امتعاض بعض العلمانيين في تركيا من موقف أردوغان، إلا أن الأتراك قد انحنوا احتراما وإجلالا لهذا الرجل، واستقبل استقبال الأبطال وهتفوا له بقولهم «نحن نفتخر بك»، ولعل أردوغان نفسه بما يحمله من أفكار ومبادئ ورؤية إلى وضع العالم الإسلامي والعربي، قد وضع النقاط على الحروف وحاول أن يعبر عن رغبة هذين العالمين في أحداث فارق مع تلك الأحداث التي حركت المشاعر، ففي تصريحه لصحيفة الحياة قال: «حزني الحقيقي هو على السلام بين العرب أنفسهم. فالعرب والمسلمون بحاجة أيضاً وربما أكثر للسلام في ما بينهم. فالعرب الآن غير متصالحين مع بعضهم. حتى في هذه الفترة التي كان يجب أن يقف خلالها العرب موقفاً موحداً، ظهرت الجامعة العربية منقسمة على نفسها، ولا يمكن فهم هذا الانقسام أو تبريره.
أيضاً عندما ننظر إلى منظمة المؤتمر الإسلامي نجد أنها عجزت عن ترتيب قمة لها في هذه الأزمة، وهذا أيضاً غير مفهوم أو مبرر. إذا يجب علينا تحقيق الوحدة والاتفاق هنا أولاً وعلى العالم العربي والإسلامي أن يقف ويراجع نفسه ويحاسب نفسه على موقفه وانقسامه إزاء أحداث غزة».
وإذا كان موقف أردوغان قد شكل تحدياً في حد ذاته إلا انه في حقيقة الأمر لم يخسر شيئا فالعلاقات الثنائية بين تركيا وإسرائيل لن تتأثر بإعلان المواقف وسيظل الموقف إنسانيا لن يواكبه سياسات خارجية يمكن أن تحدث زلزالا في العلاقات بينهما، ولكن مع ذلك سيسجله التاريخ، وكما يعرف الجميع أن التاريخ يسجل جميع المواقف ويحفظها في سجلات لا تمحى.
وما أكثر السياسات المحبطة التي سجلها التاريخ لأولئك الذين استرخصوا دماء شعوبهم من اجل مشروع سلام يثبت فشله بمرور الأيام، فهل لا يزال العرب يعولون على مشروع السلام العربي، الأسئلة كثيرة تلك المتعلقة بالرؤية القادمة لمشروع السلام، فهل ليس لدى العرب إلا هذا السلام؟
كاتبة إماراتية