عاد الإسرائيليون ببعض الخسائر والفشل مدعين أن فشلهم وخسائرهم انتصارا، وعاد الفلسطينيون إلى عادتهم القديمة بين فتح وحماس ومدعين خسائرهم المادية والبشرية انتصارا، وانتخب أوباما في الوقت المناسب وهو يدعي أنه انتصر على بوش بينما اقتصاده يتهاوى يوما بعد يوم. كل ذلك وكأن شيئا لم يكن أو كأن كل شيء كان قد تم التخطيط له مسبقا على يد خبراء متخصصين. وخرج المتحاربان خاسرين من حرب من أكثر حروب العالم غباء كما خرج بوش من البيت الأبيض. وكلهم خاسرون: الإسرائيليون والفلسطينيون وأوباما وبوش.
الإسرائيليون خاسرون ورابحون: خاسرون لأنهم فقدوا العشرات من جنودهم غير المدربين على حروب العصابات وربما الأرقام الحقيقية لخسائرهم البشرية والمادية لم يعلن عنها. وخاسرون لأنهم لم يحققوا غرضهم ولم يقضوا على حماس بصواريخهم الفوسفورية.
خاسرون أيضاً لأن الشارع الفلسطيني من بين الذين كانوا ضد حماس تحولوا للدفاع عنهم وتعاطفوا معهم أمام مشاهد القتل والدمار والتي استخدمتها بعض وسائل الإعلام العربية والعالمية بشكل ذكي. خاسرون مرة أخرى لأنهم أكدوا للعالم من خلال نشرات الأخبار والتقارير اليومية والمقالات المقروءة بأنهم وللمرة الالف شعب أو دولة لا تفهم إلا لغة التدمير والقتل ومخالفة قوانين العالم وعدم التفرقة بين طفل ومحارب ولا بين ثكنة عسكرية ومدرسة ومستشفى وعدم الالتزام بالقرارات الدولية.
وخاسرون للمواقف العربية التي بدأت تشك في نوايا إسرائيل وطرقها الخاصة في فرض السلام بالطريقة غير المشروعة. خاسرون اقتصاديا حيث كلفهم تدمير بعض صورايخ المقاومة البدائية (المصنوعة من علب الزيت) مليارات الدولارات في الوقت الذي تعاني منه إسرائيل الأزمة الاقتصادية التي شبت في العالم. وكان بإمكان إسرائيل أن تستثمرها في مجالات صناعة الدواء وهي من أكثر المنتجات الاستهلاكية ازدهارا في العالم.
والفلسطينيون ليسوا أحسن حظا من الإسرائيليين: فقد خسروا الآلاف من أطفالهم وأبنائهم ورجال مقاومتهم بل واثنين من كبار قادتهم ودمرت معظم قدراتهم العسكرية إضافة إلى المنشآت والمنازل والمدارس والمستشفيات التي ستحتاج إلى عشرات السنوات لإعادة تعميرها.
ولكن الخوف الذي هز قلوب أطفالهم أمام مناظر الموت والدمار وانفجارات القنابل والضحايا لن تمحى من ذاكرتهم وسوف يعيشون كوابيس هذه الحرب طيلة حياتهم. كما أنهم من جهة أخرى لم يحققوا شيئا من إطلاق هذه الصواريخ سوى تردي الحال التي هم عليها هذه الأيام وانقسام الشارع الفلسطيني بين مؤيد ومعارض لمثل هذه الصواريخ التي منذ أن بدأ إطلاقها لم تقتل أكثر من عشرة إسرائيليين.
وأهالي غزة خاسرون أيضاً لأنهم تركوا دون ناصر ولا معين في وسط المعركة وبقي العرب والمسلمون مجرد متفرجين كعادتهم ولم تطلق حتى رصاصة واحدة لا من لبنان ولا من سوريا ولا من الأردن ولا حتى من مصر.
خاسرون لأنه تأكد لهم بعد ما شاهدوه من ويلات هذه الحرب أنه لا فائدة من استفزاز الآلة العسكرية الإسرائيلية مرة أخرى والعرب والمسلمون نائمون كأصحاب الكهف، وأنهم بعد نهاية الحرب التي شنت عليهم بسبب صورايخهم لم يوحدوا حتى الصف الفلسطيني الداخلي المنقسم على نفسه منذ أن انشقت غزة عن الضفة وبدأت الاتهامات بالخيانة والسرقة تنهال من هذا الجانب على الآخر.
وخاسرون لأنهم كان بإمكانهم بناء غزة رغم كل الأوضاع والظروف غير الإنسانية التي يعيشون فيها، خاسرون أيضاً لأنهم اكتشفوا حاجتهم لخبرات واستعدادات طويلة ومعقدة كتلك التي يمتلكها مثلا حزب الله في جنوب لبنان لصد الهجمات من الوزن الثقيل.
إن مواجهة آلة عسكرية بهذا القدر يحتاج إلى إمكانيات عديدة وغير طبيعية. وإلا فإن استفزاز إسرائيل ليس له معنى.
لا يهمنا إسرائيل وإنما يهمنا ويقلقنا مستقبل الشعب الفلسطيني. وإذا كان العرب غير مستعدين للوقوف معهم سوى بالمال فإن قضاياهم ستظل معلقة أبد الدهر، وبالتالي عليهم بناء قدراتهم قبل الدخول في حرب أو في مفاوضات.
إن على الفلسطينيين بناء بنيتهم التحتية والفوقية قبل أي مغامرة، فهم في حاجة إلى الفلس قبل الدينار، وفي حاجة للمدارس قبل المدفعية وفي حاجة لتقوية اقتصادهم الداخلي البسيط دون الحاجة إلى مساعدات الدول النفطية. إن التكتيك اليهودي قبل احتلال فلسطين قام على هذا المبدأ. ماذا تطلب إسرائيل حاليا من حماس ؟
الاعتراف بها وعدم التعرض لأمن سكانها؟ وإن لم تعترف، ماذا ستفعل حماس ومعظم الدول العربية منها من اعترف ومنها من هي على حافة الاعتراف بدولة إسرائيل وفتح السفارات والمكاتب التجارية وغيرها. فهل تستطيع حماس لوحدها تحدي كل هذه الضغوط؟ لا أحد يعرف. فكم من فئة صغيرة غلبت فئة كبيرة بإذن الله. ولكنها غلبت بعد أن توافرت لها أسباب الغلبة والاستعداد للمواجهة. النصر لا يأتي من فراغ.
فيما يقال أن اليابانيين بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية وبعد أن تعرضوا لقنبلتين نوويتين استسلموا في الحال وطلبوا من الولايات المتحدة الصلح والسلام وبشطب الجيش الياباني ولكنهم طلبوا منها في المقابل مساعدتهم في بناء اقتصاد اليابان. وهذا ما حصل. وإذا باليابان وفي أقل من ثلاثين عاما تصبح واحدة من أكبر دول العالم الصناعية نموا وازدهارا، واستطاعت أن تحقق ما لم تحققه أي دولة أخرى. ولم تحتج بعدها اليابان لا إلى السلاح ولا إلى مقاومة المحتل الذي غادر من تلقاء نفسه.
هل يحق لنا أن نقارن بين اليابانيين والفلسطينيين؟
لا. ولكن يجب علينا أن نستفيد من خبراتنا أولا: والفلسطينيون اكتسبوا مئات الخبرات في تعامهلم مع الإسرائيليين والعرب. وثانيا: أن نبدأ بخطوة البناء والتعمير حتى تستقيم الأمور. وبعدها سيكون لنا شأن آخر.
نتمنى من أوباما خليفة بوش أن يلعب دور الحكيم بعد 8 سنوات من جنون الحرب على الإرهاب وذلك بأن يدفع صناعة الآلة الحربية في إسرائيل إلى تحويلها إلى مصانع تنتج الدواء وتحويل المواد الأولية التي تصنع منها الصورايخ الفلسطينية إلى آلات زراعية تزرع الزيتون.
وبعد ذلك لن يموت أكثر من 1300 شهيد في غضون 22 يوما في قطاع غزة فقط.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
