لست من عشاق التلفزيون، ولكن يحدث من حين لآخر ما يجعل مشاهدة التلفزيون أمرا مهما، بل وقد يكون ضروريا.

كانت مشاهدة افتتاح الدورة الأولمبية في بكين، في الصيف الماضي، مما اعتبرته من الضروريات. ولم يخب ظنى، فالصور التي نقلها التلفزيون في هذا الاحتفال كانت تسجيلا لبداية عصر جديد للصين والعالم: الصين تعلن للعالم ما بلغته من قوة وتقدم، والعالم ينحنى لها احتراما ويفسح لها الطريق للانضمام إليه.

ثم كان منذ أيام قليلة حفل تنصيب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة، فلم يخب ظنى في هذا أيضا. فطوال مشاهدة المراسم والطقوس الأميركية احتفالا بهذا الحدث، كنت أشعر بأن الولايات المتحدة والعالم يدخلان بدورهما مرحلة جديدة تختلف اختلافا جذريا عما كان.

لم يستغرق ما رأيته أكثر من ساعتين، خطر لى خلالهما الكثير من الأفكار، وساورني من المشاعر ما أحب أن أشرك القراء فيه. لم تكن الأفكار تسير في اتجاه واحد، وكانت بعض المشاعر متضاربة، ولكنى أظن أن شيئا مثل هذا قد حدث لكثيرين غيرى من المشاهدين.

كان أول ما يلفت النظر هو ما يتمتع به أوباما من جاذبية شخصية أو ما يسمى (بالكاريزما) التي يتفق عليها الجميع، وكان الرئيس السابق جورج بوش يفتقدها بشدة. فإذا رأيت الرئيسين معا على شاشة التليفزيون، لاحظت على الفور هشاشة أحدهما بالمقارنة بثبات وصلابة الآخر.

أحدهما يوحى بشجاعة حقيقية، بينما يستمد الآخر مظاهر شجاعة خادعة من منصبه، ومما يحيط به من أبهة المنصب. أوباما ينظر أمامه بثقة يصاحبها ذهن نشيط لا يتوقف عن الحركة، بينما يرتسم في عينى بوش خوف دفين وضعف، دون أى بادرة تدل على أن هناك أي شيء ذات شأن يدور في رأسه.

كان بوش يقرأ خطبه ويعود للنظر إلى الورقة التي يمسك بها، بعد كل لحظة، وأوباما يعرف بالضبط ما سوف يقوله وسببه، ولا يحمل أثناء خطابه الطويل أي ورقة، وينتقل بسهولة مدهشة من موضوع إلى موضوع بعبارات قوية وواضحة دون أي تردد، فيبعث الثقة في مستمعيه.

مثل هذه الشخصية القوية والذكية لم تحظ بها الولايات المتحدة منذ أيام الرئيس جون كيندي. كان الرئيسان جونسون ونيكسون يتمتعان بشخصية قوية ولكنهما لم يكونا يبعثان مثل هذه الثقة، ولم يكن فورد أو كارتر يشيعان هذه الدرجة من الاحترام، ولم تكن تشعر مع ريجان بأنه هو الذي يفكر ويقرر.

ولم يكن الرئيس بوش الأب يوحى بالصدق، أما كلينتون فقد أفسد سمعته بخطأ سخيف لم يكن يجدر برئيس أكبر دولة في العالم أن يرتكبه، ثم جاء الرئيس بوش الابن فكان على النحو الذي وصفته، وتراكمت في عهده الأخطاء الجسيمة، واحدا بعد الآخر. وفجأة يأتي رجل مختلف تماما ليحكم الولايات المتحدة، يوحي بالذكاء والثقة بالنفس والشجاعة وقوة العزيمة والفصاحة، فلا بد أن يكون لهذا كله أثر مهم في الولايات المتحدة والعالم.

ولكنى أعود فأقول لنفسي وأنا أسمع خطابه: «نعم، هذا كله صحيح، ولكن أنت تعرف أن سياسة الدول العظمى لا تحددها شخصية الرئيس ومزاياه أو عيوبه الشخصية، إذ إن هذه السياسة أخطر من أن تترك لأهواء ومزاج شخص واحد، ولو كان الرئيس. بل وحتى هذا الخطاب الذي ألقاه بكل هذه الثقة والفصاحة، وتبادل فيه مختلف المسائل الداخلية والخارجية بحكمة واضحة، هل تظن أنه قد أعدّه بنفسه أم أعدّه له غيره واقتصر هو على إلقائه وإن كان قد أحسن إلقاءه؟

نعم، لابد أنه شارك مشاركة إيجابية في التفكير فيما يتناوله من موضوعات وفي تحديد المواقف التي يعبر عنها، ولكن هل تظن أنه مطلق الحرية في هذا التفكير وهذه الاختيارات؟ بالطبع لا. وما ينطبق في هذا الشأن على الرؤساء السابقين لابد أن ينطبق أيضاً عليه: سياسة الولايات المتحدة أخطر من أن تُترك لشخص واحد».

مع إدراكي لصحة هذا التحفظ المهم، لم أملك إلا أن أتأثر بشدة ببعض الأمور. كانت الكاميرا تصّوب بين الحين والآخر على وجه رجل أو امرأة من السود، فإذا بالتأثر الشديد يظهر على وجوه المستمعين من الأميركيين الأفارقة، بدون استثناء، إذ يرون واحدا منهم يصل إلى منصب الرئاسة، رئاسة الجميع، سوداً وبيضاً، ويحظى بكل هذا التقدير من الجميع.

وتنعقد عليه الآمال في داخل وخارج الولايات المتحدة. ألا يمثّل هذا تحولاً بالغ الأهمية في تاريخ الولايات المتحدة، بل وفي تاريخ الغرب كله، بل وربما في التاريخ الإنساني، إذ يحدث فجأة ما ينطوي على وضع حد نهائي للتمييز العنصري (أو ما نأمل أن يكون نهائيا)، ويحدث هذا في أقوى دولة في العالم، مما يكسب الحدث أهمية مضاعفة، ويقدم لبقية دول العالم قدوة جديرة بأن يقتدى بها؟

يضاعف من هذا الأثر أن أوباما ظهر باستمرار أما جمهوره، وهو في صحبة زوجته ذات البشرة السوداء، وطفلتيه اللتين تحملان نفس اللون. وكلهم فرح بالمناسبة السعيدة: الزوجة فخورة بزوجها، والطفلتان تطيران فرحاً بما تحظيان به من اهتمام. ألا يبعث هذا الثقة في أسر الأميركيين الأفارقة، والأمل في ألا يتعرض أطفالهم بعد الآن للتمييز العنصري ؟

كان أوباما ذكيا وشجاعا عندما قال في خطبته، إنه منذ أربعين عاما لم يكن أبوه ليستطيع أن يدخل مطعما يرتاده البيض، وأن هذا العهد قد أنقضى إلى غير رجعة. هل كان يمكن أن يقول شيئا أقوى في أثره على جمهور الحاضرين من السود، بل وعلى كل الأقليات العرقية في الولايات المتحدة؟ ألا يبعث هذا الأمل في أن تكون بلدهم مقبلة على عصر جديد يمكن أن يتمتعوا فيه بحياة أفضل ؟

كل هذا صحيح ومؤثر، ولكن يبقى شيء واحد على الأقل يكفى لإثارة القلق. ما زال العالم تحكمه المصالح الاقتصادية أكثر مما تحكمه العواطف والأخلاق. وإذا كانت العواطف والأخلاق تخبرنا بضرورة التغيير وبدء صفحة جديدة في السياسة الأميركية، اتجاه الأقليات في الداخل وأصحاب الثقافات والحضارات المغايرة في الخارج، فإن المصالح الاقتصادية يبدو أنها تعمل في الاتجاه المضاد: أي استمرار القهر في الداخل والظلم في الخارج. والتاريخ للأسف، ولو أنه مليء بالأمثلة على تحولات مفاجئة من اتجاه إلى آخر، فإنه مليء أيضاً بالأمثلة على أن التجديد في الكلام ونوع الخطاب كثير ما يخفى استمرار نفس السياسات الظالمة.

كاتب مصري

gsaafan@aucegypt.edu