الحرب على الفلسطينيين من ميدان قطاع غزة لم تنته حتى وإن نجحت محاولات القاهرة المؤيدة دولياً، في تحقيق اتفاق للتهدئة بغض النظر عن مدتها، فمنذ توقف إطلاق النار صباح الثامن عشر من يناير الجاري، تواصل إسرائيل بالسياسة تحقيق ما لم تحققه بوسائل الحرب والعدوان.

وبالرغم من مزاعم حكومة أولمرت، وادعائها بأنها حققت ما استهدفت تحقيقه من حربها الإجرامية على قطاع غزة، إلا أن دوائر التشكيك في إسرائيل تتسع سواء على مستوى المعارضة أو الصحافة، الأمر الذي يشكل دافعاً قوياً لدى الحكومة وأحزابها، للعمل بكل الوسائل لاستكمال تحقيق ما بدأته وبدون استبعاد لإمكانية استخدام الوسائل العسكرية مرة أخرى، إن هي اضطرت إلى ذلك، وهذا ما حصل فعلاً الأسبوع الماضي.

ولعل أول ما حققته إسرائيل بعد توقف إطلاق النار والعدوان، يكمن في نجاحها بتدويل أمنها تحت عنوان وقف تهريب السلاح إلى قطاع غزة. البداية كانت من واشنطن حين وقعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني يوم الجمعة السادس عشر من يناير الجاري، اتفاقاً مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس يقضي بضمان مشاركة الولايات المتحدة في مراقبة الحدود مع القطاع.

من المؤكد وفق الأعراف الأميركية أن رايس التي انتهت صلاحية إدارتها بعد ثلاثة أيام من توقيعها ذلك الاتفاق، قد حصلت مسبقاً على موافقة الإدارة الأميركية الجديدة، فضلاً عن أنها أجرت تنسيقاً مع الاتحاد الأوروبي الذي سارع إلى إبداء الاستعداد للمشاركة في العملية والتي نجم عنها قرار فرنسا بإرسال فرقاطة حاملة للمروحيات لمراقبة شواطئ قطاع غزة التي يبلغ طولها نحو أربعين كيلومتراً.

على أن الاتفاق الأميركي الإسرائيلي، تناول أيضاً في بعض بنوده موضوع الحدود المصرية مع قطاع غزة، سواء لجهد المساعدة في ضبط التهريب من خلال الأنفاق أو حتى المساهمة في تأهيل بدو شمال سيناء الذين يشكلون مصدراً أساسياً لتداول تجارة تهريب الأسلحة بمختلف أنواعها.

وعلى الرغم من أن مصر نفت بأن الاتفاق الأميركي- الإسرائيلي ملزم لها، ولاحقاً نفت أيضاً أن تكون توصلت مع المستشار الإسرائيلي عاموس جلعاد، إلى أية اتفاق أو تفاهمات بشأن دورها في ضبط عميلة تهريب الأسلحة عبر حدودها، إلا أن ثمة اعتقاد بأن أي خطة لمنع تهريب السلاح إلى قطاع غزة، لا يمكن أن تنجح بدون التعاون مع القاهرة.

المعلومات التي صدرت عن إسرائيل تفيد بأن المجلس الوزاري صادق على الترتيبات التي عاد بها عاموس جلعاد من القاهرة بشأن دورها في وقف التهريب، بما في ذلك وعلى حد تعبير الصحافة الإسرائيلية، موافقة حكومة أولمرت على مضاعفة عدد القوات المسلحة المصرية المسموح لها بالمرابطة على الحدود، وهو مطلب مصري قديم ومتكرر.

الحديث عن شراكة إسرائيلية دولية وإقليمية ومنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، اتسع كثيراً، بما يشمل استهدافات إقليمية، حيث ركزت إسرائيل حملتها التي تتهم فيها إيران باعتبارها المورد الأساسي لسلاح قطاع غزة، الأمر الذي سيؤدي إلى توسيع نطاق المراقبة خصوصاً البحرية لتشمل بالإضافة إلى البحر المتوسط، البحر الأحمر، وخليج عدن والبحر العربي وربما المحيط الهندي.

إن مسألة مراقبة الحدود البحرية لقطاع غزة لا تستأهل مشاركة كل هذه الأطراف، إذ أن إسرائيل كانت وهي لا تزال قادرة لوحدها، ولديها الإمكانيات التي تجعلها قادرة على مراقبة شواطئ القطاع، غير أن المسألة تتعدى كثيراً البعد اللوجستي إلى إدخال حلف الناتو على خط التعاون الأمني مع إسرائيل والمشاركة، والسؤال الجوهري الأول الذي نطرحه هو: لماذا سمحت إسرائيل خلال الفترة السابقة، بتهريب السلاح إلى قطاع غزة، حتى حين كانت موجودة قواتها ومستوطناتها في قطاع غزة وحوله.

ولماذا غضت الطرف عن وجود ولو عدد قليل من الأنفاق التي يسبق عهدها عهد الخروج الإسرائيلي من القطاع؟ من الواضح إن إسرائيل خططت منذ زمن لهذه اللحظة، ولهذا فإنها سارعت في بداية انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28/9/2000، إلى استخدام القوة ضد المتظاهرين الفلسطينيين بهدف جرهم إلى صراع مسلح تمهيداً لاستخدامه ذريعة في الانقضاض على قدرات الفلسطينيين، وقضيتهم وأهدافهم الوطنية.

لا ضرورة بأن ما خططت له إسرائيل يتطابق مع ما ذهبت إليه القيادات الفلسطينية، التي لطالما سعت من أجل تقوية مقاومتها للاحتلال الإسرائيلي، غير أن المشكلة الأساسية هنا تكمن في الانقسام الفلسطيني الحاد والعميق، والذي يجعل إسرائيل قادرة على توظيف المعطيات على الأرض، باتجاه تدمير القدرات والإنجازات الفلسطينية وقطع الطريق على الفلسطينيين لتحقيق أهدافهم الوطنية.

والآن هل تنجح إسرائيل في وقف تعزيز القدرات التسليحية للمقاومة في قطاع غزة، وبعد أن حققت كل هذا القدر من التعاون مع أطراف دولية وإقليمية رئيسية؟ إن تاريخ الشعب الفلسطيني يشهد له، قدرته على إبداع الوسائل والحلول للكثير من العقبات، والإجراءات التي ظلت إسرائيل تلجأ إليها من أجل قمع إرادة ومقاومة الشعب الفلسطيني وهو في هذه المرة أيضاً سيتمكن من تجاوز العقبات الجديدة، وإن كان الوضع أكثر صعوبة مما مضى.

فإذا كان ثمة توافق الآن بين كل الأطراف المشتركة في مراقبة تهريب السلاح إلى قطاع غزة، فإن قادم الأيام قد يشهد على اختلاف المصالح، هذا فضلاً عن أن المقاومة في قطاع غزة قد راكمت خبرات لا يستهان بها على صعيد تصنيع الأسلحة والمتفجرات، بما في ذلك الصواريخ التي شهدت عملية تصنيعها تطوراً ملحوظاً.

ولعلنا أيضاً لا نخطئ حين نشير إلى أن كل الإجراءات الدولية لم تتمكن من ضبط تجارة الأسلحة التي تسربت من بين أصابع المسؤولين، بما في ذلك الأمنيين في كثير من الدول. هكذا تتوهم إسرائيل أنها تحمي أمنها، ففي الواقع يتصل الأمر بصراع الإرادات السياسية، مما يؤكد أن سلاحاً حقيقياً يلبي تطلعات وحقوق الشعب الفلسطيني، هو فقط ما يؤدي إلى تحقيق استقرار في المنطقة تبحث عنه ولم تنجح في تحقيقه دوائر المصالح والاستراتيجيات الدولية.

talalokal@hotmail.com