منذ القدم، كان الشِعر ولا يزال محبرة الشعوب، يدوّن تاريخهم، ويحمل تراثهم، وآمالهم، وأدق تفاصيل حياتهم عبر العصور. ولا يقتصر الشعر على حفظ التاريخ ووقائعه المهمة فقط، بل إنه أيضاً، ينقل المشاعر البشرية ويصفها أجمل مما لو استحضرها الإنسان بنفسه.

يقول ابن زيدون في ولاّدة بنت المستكفي:

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا

وناب عن طِيب لُقيانا تَجافينا

حالَت لِفَقدِكُمُ أيامنا فَغَدت

سوداً وكانت بكم بِيضاً ليالينا

لا تستطيع حتى خُدَع هوليود السينمائية أن تصور حجم الأسى الذي شعر به ابن زيدون لفراقه ولاّدة، ولا يمكن لأي مخرج أن ينقل هذا الإحساس إلى المتلقي مثلما نقلته هذه الأبيات التي تخاطب النفس قبل العقل والبصر، فتحادثها كما تحدّث ابن زيدون في ذلك الزمن. والشعر أيضاً يمجد من لا مجد له، فيُعلي به شعراءٌ أناساً غير ذي عمل عظيم، ويُهبِطُ به شعراءٌ آخرون، أناساً كانت لهم صولات في تاريخ البشرية وجولات.

يقول المتنبي في رثاء محمد ابن إسحاق التنوخي:

يُبكي عليه وما استقر قراره

في اللحد حتى صافحته الحورُ

ما كنتُ أحسب قبل دفنك في الثرى

أن الكواكب في التراب تغورُ

لا نعرف من ابن إسحاق هذا، إلا أن عدة أبياتٍ من شاعر، بزّ من أتى قبله ومن أتى بعده من الشعراء، استطاعت أن تخلّد رجلاً مجهولاً كاد التاريخ أن يطوي ذِكره. توقفَتَ قبل أيام مأساة غزة التي تداعى لها قلب كل عربي ومسلم في أنحاء المعمورة، وعلى الرغم من قلة الحيلة، وضعف التدبير.

إلا أن الجميع حاول جاهداً أن يساعد إخوانه في غزة، الذين لو نهض المتنبي من قبره لقال فيهم ما قاله في سيف الدولة وزاد عليه كثيراً. كلّما اتّسع الجرح في فلسطين، كلّما اتّسعت أفواه العرب. فيحللون، ويقيّمون، ويطالبون، ويهاجمون، ويشتمون، ويقولون كل ما يعلمون وما لا يعلمون حتى أصحبت صفحات الجرائد وكأنّها نسخة واحدة مكررة في كل مكان، وتحولت معظم افتتاحيات الصحف العربية إلى رثاء يسبق أوانه، في تظاهرة «لطمية» تهمّش العقل أولاً، وتميت القلب ثانياً.

لقد فُرّغت القضية الفلسطينية من محتواها، فتحولت إلى قضية سياسية أكثر من كونها قضية إنسانية. حيث تابعتُ بعض المنتديات الشبابية العربية أثناء الأزمة، وتفاجأت بعدد كبير من الشباب، يطالب بالتوقف عن الحديث عن فلسطين. وذهب جلّهم إلى أن القضية أصبحت شأناً داخلياً في دولة عربية، لا شأن لهم فيها.

وآخرون ? ومنهم فلسطينيون يعيشون في المهجر ? يقولون بأنهم سئموا الوقوف على أطلال أبائهم، وسئموا الحلم الذي يحدوا ذويهم بالعودة إلى فلسطين. قال أحدهم:«لا أريد أن يعرف أبنائي أنهم فلسطينيون.. أريدهم أن يعيشوا في المهجر بسلام» وأظنّه يقصد السلام النفسي!

لقد تناولت الأجيال السابقة القضية الفلسطينية بطريقة مختلفة تماماً، حيث كانوا موقنين بأن الأرض عائدة بلا شك، وما هي إلا مسألة وقت. حتى في أحلك أيامها سواداً، كانوا يتغنّون بها وينشدونها شعراً. عندما كانت القضية الفلسطينية قضية الإنسان لا الأرض، كان الشعر حياً في نفوس الشعراء. فانبرى لها في كلّ قطر عربي أو مسلم، شاعرٌ ليخلّدها عبر صفحات شِعره وصفحات التاريخ.

وعندما كانت القضية الفلسطينية شعراً، كانت أقرب إلينا، وكانت كتابتنا أصدق مما هي عليه اليوم. حتى الأمل لدينا كان حقيقة. يقول محمود درويش:«هنا، عند منحدرات التلالِ، أمام الغروبِ. وفوّهة الوقتِ. قرب بساتينَ مقطوعة الظلِّ. نفعل ما يفعل السجناءُ. وما يفعل العاطلون عن العمل: نربَّي الأملْ».

ثم يوجه رسالة بسيطة إلى كل محتل، هي أقوى في تعبيرها من استنكاراتنا المقيتة:«إلى قاتلٍ: لو تأمّلت وجه الضحيّةْ. وفكّرتَ، كنتَ تذكرت أمك في غرفةِ الغازِ. كنتَ تحررتَ من حكمة البندقيةْ. وغيرت رأيكَ: ما هكذا تستعاد الهوية».

أما الجواهري، فقد قضى ردحاً من عمره يدافع عن القضية الفلسطينية في شعره الجميل، بدئاً بالهجرة اليهودية إلى فلسطين إلى ما بعد النكبة، حيث يقول:

فاضت جروح فلسطين مذكرة

جرحاً بأندلس للآن ما التأما

وما يقصر عن حزن به جدة

حزن تجدده الذكرى إذا قدُما

يا أمّة غرّها الإقبال ناسية

أن الزمان طَوى من قبلها أمما

ثم ينبري نزار قبّاني ليخلّد هو الآخر، الملحمة الفلسطينية، من خلال شعره الذي يحيي القضية في قلوب من ماتت فيها، حيث يقول: «سقطت آخر جدران الحياء...وفرحنا.. ورقصنا.. وتباركنا بتوقيع سلام الجبناء..لم يعد يرعبنا شيء.. ولا يخجلنا شيء.. فقد يبست فينا عروق الكبرياء».

أما شاعر القضية الأصيل، أحمد دحبور، الذي لا أعرف لماذا لا يتداول الناس شعره الذي يصلح أن يكون بعضه أناشيد وطنية تغنّى في فلسطين، فيتفرّد في تصوير معاناة الفلسطينيين، وهو الذي ولد قبيل النكبة، حيث يقول:«كونوا البرد، كونوا السلام... حين تكون النار برداً نكون!».

ثم يصف القيادات المتهالكة في زمانه، والتي كانت تدفع بالفلسطينيين إلى التهلكة فيقول: «البحر من ورائكم!.. ماذا وراء البحر؟.. خليفة يسلبنا القوت وغار النصر.. البحر من ورائكم!.. نحن نريد البحر».

ويصف لنا حال الفلسطينيين المعدمين بأسلوب مختصر ويذكّر بالشعر الجاهلي، حيث يقول:«نشرب إن وردنا الماء صفواً... ثم يشرب أهلنا كدراً وينتظرون». ثم يتحدث عن بيته الذي هُدّم ورُحّل عنه إلى المخيم: «زرعت في الجرح، عيني.. فلاَحَ بيتي المهدم.. وقرب رمحي الرديني.. رأيت رأس كُلَيب.. يضيئ وجه المخيم.. يقول لي: لا تصالح.. يقول لي: أنت ملزم.... إن الدُما لا تسامح.. فهل تسدد ديني؟».

لا تصلح مقالاتنا، وأخبارنا، وتحليلاتنا عن القضية الفلسطينية إلا لتسلية القراء لدقائق معدودة ثم لا يلبثون أن يذهبوا إلى صفحات الاقتصاد أو الرياضة. فالقضية أضحت قضية حكومات، ولم تعد قضية شعوب. أما الشعر، فإنه يبعث جذوة الحمية في النفوس، ويُنطق الأحاسيس الخرساء، ويدفع بالصغير والكبير إلى التضرع إلى الله، والتبرّع إلى المغلوب على أمرهم... وذلك أضعف الإيمان.

الشعر يبقي فلسطين حية في نفوسنا، يعرّيها من الاتفاقيات، وينقّيها من المؤتمرات... وينزل بها من القمم إلى قبور الشهداء. والشعر فقط، من يذكّرنا بأن القدس مقدسة مثل مكّة وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلّى بها قبل المدينة. والشعر أيضاً من يأخذنا إليها لنصلي بمسجدها المقدس... من أجلنا نحن، لا من أجلها هي.