إن ال22 يوما التي استمر فيها العدوان الإسرائيلي على أهالي غزّة، وما تلاها من رعب متزايد يوما بعد يوم منذ توقف العمليات العسكرية، أثبتت الإرادة السياسية للقادة الأتراك والدور الكبير الذي يريدون لعبه في الشرق الأوسط.
تقيم تركيا علاقات معقّدة تاريخيا مع الدولة العبرية، فبالرغم من أنها قد وقفت إلى جانب الدول العربية ضد التقسيم عند التصويت في الجمعية العامّة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين عام 1947 فلقد كانت الدولة الأولى المسلمة التي اعترفت بدولة إسرائيل في 28 مارس ـ 1949 ثمّ أقامت علاقات دبلوماسية معها في عام 1952. مع ذلك عدّلت اعتبارا منذ أواسط عقد الستينات الماضي جوهريا من علاقاتها مع الدولة العبرية، مما شكّل قطيعة مع سياسة الانحياز الموالية لأميركا خلال السنوات السابقة.
وتأكّد مثل ذلك التوجّه خلال عقد السبعينات التي عرفت وقوف تركيا إلى جانب جميع القرارات المطالبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلّة والقرارات التي كرّست الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية من قبل المجموعة الدولية. وجرى في عام 1979 فتح مكتب للمنظمة الفلسطينية أثناء زيارة قام بها رئيسها آنذاك ياسر عرفات.
لم يمنع ذلك تركيا من توقيع اتفاقين عام 1996 للتعاون العسكري وتبادل التكنولوجيا المتقدّمة مع تل أبيب مما عقّد العلاقات التركية ـ العربية والتركية ـ الإيرانية. لكن البرلمان التركي رفض في الأول من شهر مارس ـ 2003 الانصياع لطلب جورج بوش بشأن نشر 62000 جندي أميركي على الأرض التركية لدعم الهجوم على العراق من الشمال.
كان ذلك دليلا قاطعا على أن تركيا ليست مستعدة للانحياز إلى سياسة واشنطن إذا لم تتناظر مع مصالحها الوطنية. وقد شوهد بعد ذلك التقارب الكبير مع سوريا رغم التحذيرات المتكررة للولايات المتحدة. ولعبت تركيا دور تسهيل الأمور بين سوريا وإسرائيل.
وفي سياق من العنف أثار التدخل الإسرائيلي في غزّة استياء المسؤولين السياسيين والدبلوماسيين الأتراك. ولا شك أن الأزمة السياسية في إسرائيل قد جمّدت عملية المفاوضات بين سوريا وإسرائيل لكنها لم تنهها مع ذلك. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت قد أكّد عند زيارته إلى أنقرة يوم 22 ديسمبر الماضي أن المفاوضات مع سوريا سوف تستأنف منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يوم 10 فبراير المقبل.
ولم يتم أبدا التعرّض يومذاك إلى عملية «الرصاص المسكوب» مع رئيس الوزراء التركي رجب طيّب اردوغان الذي أعلن عن غضبه معتبرا إخفاء المعلومات الخاصّة بها نوعا من «عدم الاحترام» حيال تركيا. ومنذ غداة الهجوم الإسرائيلي وصفه بجريمة ضد الإنسانية ثم تحدث أمام البرلمان عن وحشية الجيش الإسرائيلي. وانتقد بشدّة بعد أيام الولايات المتحدة وأوروبا لتبنيهما سياسة «وزنين ومقياسين».
ذلك لتأخر ردود أفعالهما التي لم تتأخر أثناء اندلاع الأزمة الجيورجية في صيف عام 2008. وفقدت مجموعة الصداقة التركية ـ الإسرائيلية جميع المنتسبين لها تقريبا. وقامت زوجة رئيس الوزراء التركي بعقد اجتماع لزوجات رؤساء عدّة بلدان في الشرق الأوسط يوم 10 يناير الماضي في اسطنبول للتضامن مع النساء والأطفال الفلسطينيين.
وكانت إدانة الاعتداء الإسرائيلي قويّة أيضا لدى المواطنين الأتراك، إذ قامت مظاهرات عديدة وعنيفة في أغلبية مدن البلاد ووقف الطلاّب دقيقة صمت في المدارس تكريما لذكرى الضحايا وقامت الأحزاب السياسية بحملات تلصيق إعلانات في الشوارع ودعت منظمات كثيرة غير حكومية للدفاع عن حقوق الإنسان لمقاطعة الشركات والمنتجات الإسرائيلية.
وكان وزير الخارجية التركي علي باباجان قد أكّد مرّات عديدة أنه لن تكون هناك قطيعة للعلاقات مع إسرائيل، لكن ذلك لم يمنع الدبلوماسية التركية من أن تكون أحد أكثر الدبلوماسيات نشاطا خلال الأزمة بينما أظهرت الجامعة العربية واقع انقساماتها مرّة أخرى. وبذل رئيس الوزراء التركي الكثير من الجهود حيث قام بعدّة مهمات في أغلبية عواصم المنطقة مع تجنّب زيارة إسرائيل.
وبعد أن أرسل أقرب مستشاريه إلى دمشق للقاء خالد مشعل الذي كان قد جرى استقباله في أنقرة عام 2006 تفاخر طيّب رجب أردوغان أيضا بأنه يحظى بثقة حماس مما أثار غضبا شديدا في إسرائيل. بل واقترح نقل مطالب هذه المنظّمة إلى داخل مجلس الأمن حيث أن تركيا قد أصبحت عضوا غير دائم فيه منذ مطلع شهر يناير. وذكّر وزير الخارجية من جهته أنه لا يمكن اختزال حماس إلى مجرّد مجموعة إرهابية وأن الوصول إلى أن المصالحة بين الفلسطينيين ينبغي أن يشكل جزءاً من الحل.
لكن وفيما هو أبعد من تلك المبادرات ذات الاتجاه الواضح عرفت وسائل الإعلام نقاشات في الأيام الأخيرة. لقد وجّه صحفيون عدّة انتقادات شديدة لما اعتبروه البعد الديني في اتخاذ المواقف والمبادرات السياسية في تأييد الفلسطينيين، بل واعتبر البعض أن انحرافات معادية للسامية قد حصلت وأنه كان ينبغي عدم الخلط بين سياسة الحكومة الإسرائيلية وبين اليهود إجمالا.
