انتهت الحرب على غزة، ولكن آثارها لم تزل كما هي، شديدة الوطء على أولئك الذين يعانون ما يعانون هناك بين حطام المنازل والأجساد والأرواح، ولا حول لهم ولا قوة إلا بالله.

وفي مواضع مختلفة من العالم لا تزال المظاهرات الغاضبة تهز أركان الكرة الأرضية، معلنة عدم اكتفائها بوقف العدوان «الإسرائيلي» على غزة وانسحاب القوات المعتدية مهزومة مندحرة إلى خارج الحطام المتبقي من القطاع، بل تطالب بوقف الحصار المميت الذي يفصل قطاع غزة عن العالم أجمع منذ أمد يبدو وكأنه دهر على من يعاني ويلات الحصار، ولا يمكن أن يُحسب بعدد الأيام والشهور والسنوات.

كما تطالب تلك الأصوات والمظاهرات الغاضبة بمثول قادة «إسرائيل» السياسيين والعسكريين أمام المحاكم الدولية بوصفهم مجرمي حرب.

إنهم في أماكن كثيرة حول العالم- مستمرون في التظاهر والاحتجاج على ما «حدث» في غزة، ولم يقولوا إن «حدث فعل ماض»، وإن غزة الآن غير محتلة، كما يقول آخرون من بني جلدتنا، -ولا أقصد التعميم طبعا-.

وإنه لمن المؤسف جدا أن نجد عددا من إخواننا متبلدي المشاعر تجاه ما يحدث لإخوانهم في غزة، الذين تربطهم بهم روابط كثيرة مختلفة، في حين ينتفض لأولئك المنكوبين في غزة أقوام آخرون لا رباط يربطهم بهم سوى رباط الإنسانية، وهو رباط قوي على كل حال، لكنه عام، وكلما زادت أواصر القربى بين بني البشر زاد التحامهم وتضاعف إحساسهم ببعضهم، وقوي تضامنهم في وجه المصائب التي تحل عليهم.

في حالة غزة، نرى أن العالم بأجمعه انتفض ورفض ما يحدث، لأنه غير إنساني بجميع المقاييس، ولم تقصّر كثير من الشعوب العربية عن إبداء موقفها الرافض لهذا العدوان، والتعبير عن لا إنسانيته، ولكن شعوبًا أخرى لم نكد نسمع لها صوتا، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن عددًا من الشعوب التي صرخت رافضة هذا العدوان اختفت صرخاتها بمجرد أن انسحبت القوات «الإسرائيلية» خارج حدود قطاع غزة، وكأن هذا هو أقصى مطلوبها، في حين استمرت شعوب أخرى في الوطن العربي وخارجه في المظاهرات الرافضة احتجاجا على ما حدث أثناء الحرب، وعلى استمرار الحصار الذي هو شكل آخر من أشكال الحرب، بما أنه يوصل للنتيجة نفسها التي توصل الحربُ أهلَ القطاع لها، وهي «الموت»!.

إنهم يموتون هناك كل لحظة، في حين عاد عدد كبير من العرب والمسلمين لممارسة حياتهم الطبيعية ظنًا منهم بأن الوضع قد استقر في غزة، وأنهم ينعمون بالأمن والأمان «والسلام» لأن القصف قد توقف، والقوات «الإسرائيلية» قد انسحبت. وكأنهم لا يرون حجم الدمار الذي نتج عن اثنين وعشرين يومًا من القصف، حيث لا بيوت بقيت، ولا مدارس ولا مساجد ولا أي مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية، لكن بقي العزم والإصرار والإرادة.

توجد أصوات كثيرة طالبت بالمقاطعة، وهذا أضعف الإيمان، ومع ذلك كان عدد المتجاوبين معها قليلا جدا مقارنة بأولئك الذين يظنون أنهم سيخسرون حياتهم إن لم يأكلوا في هذا المطعم أو ذاك.

أو لم يتعطروا بذلك العطر أو بالآخر، ويمكن لنا أن نقيس على هذا طريقة تفكيرهم في كل شيء دَقّ أو عظُم، مع أن الجميع يدرك حجم التأثير الذي سيحدثه كل فرد منا إن هو امتنع عن شراء منتجات معينة .

واستبدل بها منتجات أخرى محلية أو عربية أو لدول أخرى لا تقف مع الباطل في وجه الحق جهارا نهارا، ضاربة بعرض الحائط مشاعر مليار مسلم ينتشرون في جهات العالم الأربع. إلا أننا نفاجأ بلا مبالاة قاتلة تصدر من بعض الأفراد، وكأن الدم الذي يجري في غزة هو مجرد أصباغ تدعم المشهد التمثيلي الذي يؤديه ممثلون غزيون، وليس دما بشريا له قيمته وحرمته.

لا نريد أن نتكلم هنا عن حق وباطل، فكلاهما معروف لمن يريد أن يعرف، ولا نريد أن نتكلم عن معتد ومعتد عليه، لأن الأمور الواضحة لا تحتاج إلى توضيح أكثر، وأحيانا كثرة الشرح والتفصيل تضعفها. إنما نريد أن نتكلم عما يحدث بمنطق إنساني صرف؛ فإذا رأى أحدنا أنه حين يضع السكين في يد مجنون عنده قطة أنه يقتلها، فهل سيكرر العملية ذاتها عدة مرات؟

وهل سيهون عليه دم القطة الأولى ليترك السكين في يد هذا المجنون، وحوله الكثير من القطط ليقتل غيرها وغيرها؟

من المؤكد أن ذلك لن يحدث، وأنه ؟من منطلق الرحمة التي جُبل عليها الإنسان العادي- لن يدع قطة لا سلاح عندها إلا أظفارها تحت رحمة مجنون في قبضته سكين هو زوده به. ومهما كانت نواياه حسنة وطيبة حين قام بتزويده بالسكين ؟

للدفاع عن نفسه فقط مثلا- إلا أن المجنون أثبت عدم كفاءته لحمل هذا السكين، وأنه تسبب في قتل روح بريئة دون أن يشعر بفداحة ما يفعل، فهل سيسمح أحدنا لنفسه بالاستمرار في تزويده بالسكين كلما احتاج إليها؟ لا أعتقد هذا!

إحساسنا بتأنيب الضمير تجاه «قطة» سيأكلنا أياما وليالي، وسنقرر عدم إعطاء هذا المجنون أية أداة حادة أو قاتلة من شأنها أن تودي بحياة «قطة» لأنها روح، والروح غالية. لكن لا أعرف لماذا يحدث التبلد لدى بعضنا فيما يتعلق بالأرواح التي تُغتال في غزة، وهي في عمر الزهور، ونحن نعرف أنها تواجه وحشًا لا عقل له ولا قلب ولا يحمل أي ملمح من ملامح الإنسانية؟ حتى إن أثبت أهل غزة أنهم أسود سواء تحت وابل القصف أو أثناء الحصار..

لا يُشترط أن يكون السكين سكينًا حقيقيًا ماديًا، ولكن الدرهم الذي يُصرف في غير محله يمكن أن يتحول إلى سكين، والكثيرون يعرفون هذا، ولكنهم يتجاهلونه، ويتجاهلون مسّ هذا الموقف منهم بإنسانيتهم.

هناك من يقول في تعبيره عن انتهاء مقاطعته لبعض البضائع إن الحرب انتهت فلماذا أحرم نفسي، وهناك من يقول «وما علاقتي أنا بما يحدث في غزة أو غيرها»، لكن هناك في المقابل أيضًا أم أو جدة تقف في إحدى الجمعيات ومعها حفيدتها التي تطلب منها شراء نوع معين من الشوكولا، يبدو أنها معتادة عليه، وجدتها تقول لها إذا اشتريناه سيموت طفل فلسطيني كما رأينا في التلفاز، فإذا بالطفلة تعيد القطعة لمكانها وهي تقول «لا أريد أن يموت الأطفال في فلسطين»!

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com