مرة أخرى تعود الحوادث المرورية الخطرة لتجلب لنا المزيد من أخبار الوفيات، بالأمس فقط ثلاثة أخبار عن وفات ثلاثة شبان في ثلاثة حوادث متفرقة، الأول اصطدام بعمود نور أدى إلى انشطار السيارة، والثاني اصطدام بحاجز الشارع وبعمود النور نتيجة بركة مياه في الشارع خلفتها الأمطار، والثالث حادث بين سيارتين يقودها شابان ويبدو في الأمر السرعة والتهور وعدم مراعاة ظروف الطقس.
الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى ولا راد لقضائه، لكن التمعن في مسببات الحوادث الثلاثة هو الذي يفلق الرأس إلى نصفين. ونسأل شبابنا الذين ما زالوا يغريهم الطيران بسياراتهم بالرغم من انها سيارات وليست طائرات لتحط وتهبط فوق الحواجز وتنشطر على أعمدة الإنارة، ما الذي يغري في هذا الانتحار المجاني؟
وما الذي يدفع إلى هذه السرعات الجنونية إذا ما كانت أبعد مسافة بين مدينة ومدينة في الدولة لا تتعدى 150 كيلومتراً في المتوسط العام؟ وإذا ما كانت المسافة بين المناطق المختلفة في المدينة الواحدة لا تتجاوز 30 كيلو متراً في حدها الأقرب أو الأقصى؟ ثم من أين تأتي الطمأنينة من أن الشوارع قابلة لتحمل هذه السرعات وهي شوارع مزدحمة ولا تخلو من المفاجآت ومن السائقين المرتبكين؟
مؤلم أن يقضي احدهم في رعيان شبابه في حادث سير وبمجانية عالية، يذهب هكذا تاركاً خلفه الحزن والفقد. إدارات المرور وهي تشدد الإجراءات وتزرع الطرق بالرادارات وتوقع مئات الآلاف من المخالفات، وانتفخت خزائنها بالأموال المحصلة منها، ومع حملات التوعية ومع النداءات، لم يبقَ لها سوى أمر واحد لوضع حد لهذه الحوادث التي تزهق الأرواح بمجانية كبيرة.
وهي أن لا تكتفي بمنح رخص القيادة بالروتين والإجراءات الحالية خصوصاً للشباب الا بعد اجتياز دورة لعام كامل أو حتى عامين، ليس في تعلم مبادئ القيادة، ولكن في فهم ثقافة الطريق .
وفي فهم ان هذه السيارة ليست مصفحة ولا مدرعة، وإنما مجموعة من قطع الحديد تربطها أجزاء صغيرة قابلة أن تنحل منها الصواميل، وقابلة للعطب في أجزائها في أية لحظة.. وفي فهم أن الشارع ليس ملكاً لأحد وأن الحرية فوق أسفلته هي حرية مقيدة بالشروط وبنظام السير وان التعامل الآمن هو سيد الموقف.
محزن أن نخسر أبناءنا هكذا، مؤلمة تلك الصور التي تعبر إلينا وكأنها الأقرب إلى حوادث الانتحار..ليست هناك بطولة في الاندفاع بقطعة حديد بسرعة الصاروخ بين بحر من المفاجآت.. فالعقل والتعقل زينة الناس.
