قبيل الحرب الإرهابية الإبادية الإسرائيلية الأخيرة على غزة، كانت بعض الأروقة السياسية والاجتماعية الفلسطينية قد راحت تهتم بقضية اتجاه جموع غفيرة من الشبان الفلسطينيين، لاسيما من أبناء الأرض المحتلة، نحو تلمس سبل الهجرة إلى بلاد الغرب على جانبي الأطلسي شمالاً، فضلاً عن أستراليا جنوبا.
للوهلة الأولى لا يصح لأحد الاعتراض على بحث بعض العناصر الفلسطينية الشابة عن فرص للحياة والعيش، وربما للمغامرة و ارتياد آفاق جديدة مختلفة في عوالم الآخرين.. فالفلسطينيون في إطار هذه العملية الحراكية الاجتماعية الثقافية والاقتصادية ليسوا استثناءً من نزوع شبابي إنساني عام وأحلام بالتغيير تراود أندادهم في بلاد الجنوب.
غير ان تحول هذه العملية من مجرد حالات فردية أو حتى جماعية محدودة إلى ظاهرة توشك أن تجرف وتداعب خيالات الألوف، هو أمر لافت وينذر بعواقب وخيمة بالفعل.
ويبدو أن هذا التحول السلبي المفزع راح يشق طريقة بسهولة ميثرة في الرحاب الفلسطينية. تقول الاستطلاعات الشاملة ذات الصلة التي أجريت حديثاً في حدود الضفة وغزة، بأن هناك أكثر من 4. ألف طلب للهجرة معروض على أولي الأمر في عواصم الغرب، الإسكندنافية منها بخاصة، وأن زهاء خمس البيوت الفلسطينية لديها شخص واحد مهاجر. ويفكر في الهجرة جدياً 36 في المئة من شبان الأرض المحتلة عموماً، وداخل هذه النسبة يفضل الهجرة 43 في المئة من الذكور و31 في المئة من الإناث .
وترتفع هذه المعدلات في قطاع غزة بالذات بحيث يصل من ينحازون لخيار الهجرة 42 في المئة من شريحة الشباب العمرية (بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين). ويشعر أكثر من 9 في المئة من أبناء هذه الشريحة بأن الهجرة سلوكاً إيجابيا.
على الرغم من السياق السياسي والذي يفترض أنه يحيط بظاهرة الهجرة في الحالة الفلسطينية، التي تتسم بالانشغال بإعادة التكوين والبلورة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وصولاً إلى التحرر والدولة المستقلة، إلا أن هذه الخصوصية لا تظهر بالقوة اللازمة عند تحري أسباب الهجرة مقارنة بمجتمعات أخرى تعرف الظاهرة ذاتها.
بمعنى أن دوافع الهجرة فلسطينياً هي بعينها وبالترتيب ذاته تقريباً المسؤولة عن الظاهرة لدي مجتمعات الجنوب، مضافاً إليها سوءات الاحتلال: الفقر والبطالة والعوز الاقتصادي بنسبة 23 في المئة، التطلع إلى حياة كريمة موشاة بالحريات الأساسية وحقوق الإنسان بنسبة 55 في المئة، فضلاً عن الرغبة في الأمن والطمأنينة الذاتية من ملاحقات سلطات الاحتلال وبطشه بنسبة 55 في المائة.
الأصل أن تكون اعتيادية الحالة الفلسطينية وعدم نشوذها قياساً بما يعتمل في المجتمعات الأخرى فيما يخص أسباب الهجرة أمراً مطمئناً.. كونها توحي بأن الفلسطينيين شعب يصدق عليه ما يصدق على بقية الشعوب العالم الثالث .غير انه يصح مقاربه هذه المحاكاة بشكل مختلف . بمعني أن الفلسطينيين ينبغي أن يكونوا من أكثر الخلق نفوراً من الهجرة والغربة عن الوطن..
ليس فقط لتجربتهم المريرة ومعاناتهم الممتدة في المنافي والملاجئ وخضوعهم لقواعد شاقة للضبط والتحكم، وإنما أيضاً وبشكل جوهري لأن قضيتهم الوطنية لا تحيا وتدوم إلا بتجدرهم في بلادهم حتى وان جارت عليهم. ثم إنه لا يستقيم مع المنطق السليم ولا مع حيثيات القضية الوطنية أن يتطلع شبان الأرض الفلسطينية المحتلة إلى منافذ الهجرة فيما يعد حق العودة على رأس قائمة حقوق شعبهم المنتهكة.
نود القول، بصيغة أخرى، أن الكثيرين لن يفهموا بسهولة مشهد خيرة شبان الضفة وغزة والقدس وهم يتداولون هاجس الهجرة، التي قد تفضي إلى القطيعة مع الوطن، فيما تستبسل حركتهم الوطنية دفاعا عن حق العودة إلى هذا الوطن.
نعرف أن لغزاً كهذا يمكن حله من خلال خطاب سياسي قانوني يبين الفارق الكبير اللجوء القسري الذي يستدعي تطبيق حق العودة المعترف به في شرعتي السماء والأرض، وبين الهجرة الطوعية التي تسمح لصاحبها بالعودة تلقائياً ودون عوائق إذا ما أراد ذلك. وعليه، سيقول البعض أن الهجرة الطوعية أقل خطراً بكثير من التهجير القسري الذي اضطلع به المشروع الصهيوني وأدي إلى تحويل ملايين الفلسطينيين إلى لاجئين يسعون إلى حق العودة.
لكن هذا التحليل يظل عرضة للنقد وربما للنقض. فمن ناحية، فانه سواء جرى إخراج الفلسطينيين من ديارهم عنوة أو طواعية، تبقي النتيجة واحدة في التحليل النهائي وهي إفراغ فلسطين من أهلها!.
ومن ناحية ثانية، ربما ذهبنا إلى أن أخطار الهجرة الطوعية لا تقل شأنا وآثارا عن مخاطر التهجير القسري، فالمهاجر طوعاً يبحث عن تكوين حياة جديدة بالكامل بمحض إرادته، وصولاً إلى احتمال التجنس وذريته بجنسية بلد المهجر والاستقرار ومن ثم التوطن النهائي في هذا البلد . ومثل هذا التوجه لا يداعب أحلام اللاجئين كرها ورغماً عن إرادتهم.
ومن ناحية ثالثة، هناك الاحتمال المتعلق بتواطؤ الدول المستقبلة للمهاجرين طوعاً مع المخطط الصهيوني لتجويف فلسطين من سكانها الأصليين وجرفهم بعيداً عن عنها وعن محيطها الإقليمي. ويشهد بذلك ترحيب كثير من دول المهجر الأوروبي والأميركي والأسترالي بالمهاجرين الفلسطينيين وتيسير شروط استقبالهم إلى حد الإغراء.
هذا في الوقت الذي تبدي فيه هذه الدول التعنت والتحفظ إلى أبعد الحدود في فتح أبوابها أمام سيل المهاجرين من دول العالم الثالث، لاسيماً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتصاعد موجة العداء للأجانب في أوساطها الشعبية!.
ومن ناحية رابعة، تنطوي الهجرة الطوعية على عملية انتقائية للقوى الفتية الشابة المدربة ذات القدرات المميزة وينشأ عن هذه العملية تسرب الكتلة الواعدة بالعطاء للمشروع الوطني الفلسطيني ومقاومة المشروع الاستيطاني الصهيوني.
على سبيل التصدي لظاهرة الهجرة الاستنزافية هذه يحتاج أبناء فلسطين المحتلة إلى برنامج شامل، حده الأدنى التوعية الثقافية بمخاطرها الآنية والمستقبلية، وحده الأوسط توفير ما لايقل عن 45 ألف فرصة عمل سنوياً (طبقا لدراسات مختصة)، وحده الأقصى والأهم إزاحة الاحتلال الإسرائيلي، الحاجب لإطلاق ملكات الشعب الفلسطيني وموارده وإمكاناته المختلفة .
وقبل هذا وبعده ثمة ضرورة قصوى للانشغال بما يعتمل داخل أحشاء المجتمع الفلسطيني على نحو قد يفتك به ومسؤولية لايشعرون. ونحسب أن أهمية هذه التوصيات الأولية باتت أكثر إلحاحا في ضوء الخسائر الاقتصادية والنفسية التي ألحقها العدوان على قطاع غزة، وما قد يستتبع هذا المستجد من انتكاسات مضافة لآمال القطاعات الشابة بفرص العمل والاستقرار والعيش الآمن الكريم. وعليه فإن التعجيل باعمار غزة يعنى ما هو أكثر بكثير من قضية إزالة آثار هذا العدوان الاجرامي.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
