كشفت أحداث غزة ومن قبلها أحداث لبنان عام 2006 عن أن العالم العربي يشهد حالة من الاستقطاب السياسي تشبه إلى حد كبير استقطابات عديدة شهدها من قبل في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

حيث انقسم الوطن العربي تارة بين دول الثروة ودول الثورة وبين دول التشدد ودول الاعتدال تارة أخرى. وهذا الوضع وما صاحبه من أنشطة سياسية وملاسنات كلامية يكشف عن أن الوطن العربي يشهد حرباً باردة من دوله لكنها تختلف هذه المرة عن الحروب الباردة التي شهدها الوطن العربي من قبل في أنها كانت في السابق جزءاً من حرب باردة دولية كان متوقعاً بمجرد أن تنتهي تخف وطأة الحرب الباردة العربية هي الأخرى بحيث تنتهي هي الأخرى تماماً ولكن ما حدث هو أن الحرب الباردة العربية زادت حدتها مع نهاية الحرب الباردة الدولية التي كانت بين معسكرين إيديولوجيين.

وهناك من المحللين الغربيين من يعتبر أن الحرب الباردة التي نشهدها هي في الأصل صراع داخل الحضارات مرتبط بصراع حضارات دولي بدأ مع أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، على اعتبار أن الظاهرة الإسلامية الأصولية هي جزء من هذا الصراع الداخلي بالنظر إلى المعسكر الذي تنتمي إليه كل من حركتي حماس وحزب الله اللبناني، وبالنظر إلى الاتهامات التي تطلق حول دور ما لإيران في تفاعلات المنطقة العربية في الفترة الراهنة.

وبالنظر أيضاً إلى التحالفات الدولية للدول والقوى المنخرطة في هذا الصراع داخل الحضارة الإسلامية. فإذا كان عالم السياسة الراحل صامويل هنتنجتون قال في تنظيره لصراع الحضارات ان الصراع المستقبلي سيكون بين معسكرين هما الحضارة الإسلامية والكونفوشوسية في جانب والحضارة الغربية المسيحية اليهودية في الجانب الآخر.

فان الصين أصبحت هي الحليف الدولي الأساسي لكل من دول الممانعة العربية وهى التي تحول دون إحداث تقدم على صعيد فرض عقوبة قاسية على إيران بسبب ملفها النووي، في الوقت الذي يبدو فيه التحالف الكبير بين الدول الغربية وإسرائيل، بل وتحالف كل من دول الاعتدال العربي والولايات المتحدة وأوروبا، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً في الاستقطاب العربي الراهن.

وما يمكن قوله في هذا الخصوص هو أن ما يشهده الوطن العربي في الوقت الراهن ليس صراعاً للحضارات فمن جهة فان مقولة ونظرية صراع الحضارات ثبت علمياً أنها لا تقوم على أساس علمي أو نظري متماسك، ومن جهة ثانية فان التحالفات الداخلية في الوطن العربي وصور الصراعات العربية الراهنة تؤكد أنها بعيدة عن صراع الحضارات.

وإنما هي من بقايا الحرب الباردة الدولية السابقة التي لم تسع الدول المنخرطة فيها أن تبحث عن حلول نهائية لها، وإنما فضلت أن تتعامل مع صراعاتها الدامية بعقلية الحرب الباردة، الأمر الذي أبقى بعض الصراعات العربية العربية كامنة ومن دون حل نهائي لها.

فالصراع الذي يتجدد بين المغرب والجزائر لا يمكن أن يكون صراعاً داخل الحضارة الإسلامية، والصراع على توسيع أدوار الدول العربية داخل النظام الإقليمي العربي لا يمكن اعتباره صراعاً داخل الحضارة الإسلامية، والصراع السني الشيعي وان كانت الولايات المتحدة الأميركية تسعى له وتدعمه كجزء من استراتيجية أعلنها البيت الأبيض في سبتمبر 2002، تحت مسمى محاربة الإسلام من داخله، هو صراع يضرب بجذوره منذ بدايات التاريخ الإسلامي.

وليس محوراً للصراع داخل العالم الإسلامي والدليل أن كلاً من حركة حماس السنية وحزب الله اللبناني الشيعي حليفان في الوقت الراهن، فضلاً عن أن العلاقة القوية بين حماس السنية وإيران الشيعية تؤكد أن الصراع المذهبي ليس محلاً للخلاف في الوقت الراهن.

فما نواجهه في الوطن العربي في الوقت الراهن هو تجدد دوري لصراعات قديمة منذ عصر الحرب الباردة العربية والسابقة، والاختلاف بينها وبين الحرب الباردة التقليدية السابقة أنها كانت ضمن منظومة أخرى أوسع وكانت محكومة بصراع دولي آخر، لكنها الآن انفلتت لعدم وجود ضابط دولي لها، ولأنها غير مرتبطة بمصالح مهمة للقوى المهيمنة على النظام الدولي في الوقت الراهن.

ففي الوقت الذي مازالت الدول العربية تدير علاقاتها وصراعاتها بعقلية الحرب الباردة، فإن ما يحدث بالوطن العربي في الوقت الراهن هو مرحلة تحول وتشكيل وانتقال بين نظامين إقليمين طالت لفترة طويلة، وفى ظلها تسعى دول عربية إلى تعديل دورها السابق لأن هناك تعديلات حدثت في مصادر قوتها سواء المادية أم المعنوية، فقطر على سبيل المثال تعتقد أنها حازت على ميزات مادية بالثروة التي حصلتها عبر اكتشاف الغاز والنفط.

وان مكانتها المعنوية زادت عبر وجود قناة الجزيرة على أراضيها، وعبر تحالفاتها الدولية لأنها تحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأميركية ومع إيران في نفس الوقت. وإذا تناولنا معظم الدول العربية الصاعدة سنجد أنها تتحرك داخل النظام الانتقالي وفقاً لنفس المنهج الذي تتحرك به قطر، الأمر الذي يفسر ما يشهده النظام العربي في الوقت الراهن من مشكلات وأزمات.

وقد أثبتت كل التجارب التي مر بها الوطن العربي أن القوى القديمة والتقليدية مازالت تحتفظ بأدوات للقوة، التي تجعل أدوارها الأساسية لا تتغير، في الوقت الذي لا تستطيع القوى الصاعدة الجديدة أن تترجم عناصر قوتها إلى دور فعلي وحقيقي.

وبالطبع فان الخبرة التاريخية فضلاً عن العوامل الخارجية تلعب دوراً في هذا الصدد، يضاف إلى ذلك بالطبع أن الدول التقليدية لها أدوات قديمة تستخدمها في علاقاتها الإقليمية والدولية في الوقت الذي لم تستطع القوى الصاعدة أن تؤسس لها أدوات فعالة للقيام بدور حقيقي وفاعل، الأمر الذي أنتج فترة التشكل الطويلة المستمرة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com