ما السبب في الفشل المتتالي من جانب علماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة في التنبؤ بالمستقبل ؟ إنهم يفاجأون مثلما يفاجأ الأشخاص العاديون وغير المتخصصين بوقوع أزمة مالية طاحنة، كتلك التي بدأت في سبتمبر الماضي.
كما أنهم كثيرا ما يتنبأون بعكس ما يحدث بالفعل: يتنبأ الاقتصاديون بارتفاع معدلات النمو فإذا بها تنخفض، أو بانخفاض معدلات البطالة أو التضخم فإذا بها ترتفع، كما يتنبأ علماء السياسة بسقوط نظام فإذا به يستمر أعواما بل عقودا، أو يتوقعون استمرار السلام فإذا بالحرب تنشب.. الخ.
قيل مرة من قبيل السخرية بالمتنبئين «إن التنبؤ عملية صعبة جدا ومحفوفة بالمخاطر، خاصة إذا تعلق التنبؤ بالمستقبل!» ذلك أن كثيرين ممن يحاولون التنبؤ بالمستقبل لا يفعلون أكثر من وصف الحاضر بصيغة المستقبل، إذ يفترضون أن المستقبل ليس إلا استمرارا للحاضر، فإذا حاول بعضهم التعرض للمستقبل بالفعل، فالعادة أن تخيب نبؤاته. كيف نفسر ذلك؟
من بين الأسباب لا شك أن الظواهر الاجتماعية والإنسانية تلعب فيها الإرادة الإنسانية دورا لا تلعبه في الظواهر الطبيعية البحتة. الثمرة تسقط من الشجرة إلى الأرض سواء أراد الإنسان ذلك أم لم يرد، ولكن الأب يرسل ابنه إلى المدرسة أو لا يرسله طبقا لإرادته.
الماء يتبخر عند بلوغ حرارته درجة معينة، بصرف النظر عما نريده أو لا نريده، ولكن الناس يشربون الشاي أو القهوة وفقا لمزاجهم وما دامت الإرادة الإنسانية حرة، فكيف يمكن التنبؤ بما سوف تسفر عنه؟ قد يميل البعض إلى الاعتقاد بأن الإنسان ليس حرّ الإرادة بالدرجة التي نظنها، وأن الإنسان في نهاية الأمر مسيّر لا مخيّر.
ولكن مهما اختلفنا حول درجة الحرية التي يتمتع بها الإنسان فهي بكل تأكيد أكبر من «حرية» الطبيعة المادية في الخروج على القوانين الطبيعية. بل وحتى إذا كانت القرارات التي يتخذها الإنسان نتيجة حتمية لأسباب وعوامل تتعلق بالوراثة والنشأة والتربية وطبيعة المجتمع الذي ينتسب إليه وتاريخ هذا المجتمع.
. الخ، حتى إذا كان هذا صحيحا فما أصعب اكتشاف كل هذه الأسباب والعوامل، وتحديد مدى تأثيرها في القرارات الإنسانية بدرجة من الدقة تسمح لمن يحاول التنبؤ بالوصول إلى تنبؤ صحيح.
قد يظن الاقتصاديون أنهم يستطيعون التنبؤ بمستقبل الظواهر الاقتصادية لمجرد اكتشافهم للعوامل الاقتصادية المؤثرة فيها، ولكن الحقيقة أن الظواهر الاقتصادية نادرا ما تكون اقتصادية بحتة، بل تؤثر فيها عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية ونفسية يصعب حصرها وتقدير أثرها، ومن ثم يصعب التنبؤ بالمسار الذي سوف تتخذه الظاهرة الاقتصادية في المستقبل. وقل مثل هذا عن الظواهر الاجتماعية الأخرى، فالقرارات السياسية لا تحكمها عوامل سياسية فقط، والعلاقات الاجتماعية لا تحددها العوامل التي يدرسها عالم الاجتماع وحده.. الخ.
من هنا تظهر حكمة عالم الاجتماع السويدى الشهير جنار ميردال عندما قال: «ليست هناك مشكلات اقتصادية، وأخرى سياسية، وأخرى اجتماعية، هناك فقط مشكلات، وهي معقدة».
فإذا كان الأمر كذلك، وهو بالفعل كذلك، فكيف يطمح عالم الاقتصاد أوعالم السياسة أو عالم الاجتماع إلى الوصول إلى تنبؤات صحيحة، كل على انفراد؟
إذا قيل فلنجمع كل هؤلاء في حجرة واحدة ولندعهم يتناقشون حتى يصلوا إلى التنبؤ الصحيح، بأن يدلي كل منهم بدلوه ويخرجوا معا بمزيج من أفكارهم وتحليلاتهم جميعا، فهذا هو الذي سوف يمكنهم من التنبؤ الصحيح. ولكن ما أكثر ما حدث هذا دون أن يصل العلماء الذين ينتمون إلى تخصصات مختلفة، بالرغم من تعاونهم، إلى التنبؤ الصحيح.
لقد قيل بدرجة عالية أيضا من الحكمة، إن تضافر مجموعة من التخصصات، والسماح بأنواع مختلفة من المعرفة بتغذية بعضها بعضا، عند بحث أى ظاهرة اجتماعية، لن يجدي نفعا إذا تم هذا التضافر بين عدة أشخاص، بل لابد أن يحدث هذا التضافر و الامتزاج والتغذية المتبادلة في «دماغ واحد».
فالأدمغة المستقلة يصعب جدا عليها، فيما يظهر، أن تتعاون وتتضافر بالدرجة المطلوبة لإنتاج التنبؤ المطلوب. «الدماغ الواحد» هو فيما يبدو القادر على إذابة كل العناصر المطلوبة لإنتاج التنبؤ الصحيح.
ليست هذه، رغم أهميتها، العقبة الوحيدة في السعي للوصول إلى تنبؤات صحيحة. هناك أيضا تلك الحقيقة المعروفة من أن الظواهر الاجتماعية صعبة القياس، وأحيانا يستحيل قياسها.
فحتى إذا وصلنا إلى تحديد أربعة أو خمسة عوامل نثق تمام الثقة بأنها العوامل الوحيدة المؤثرة في ظاهرة ما، وأنها تحدث أثرها إذا وصل كل منها إلى درجة من القوة وإلا انعدم أثره، فكيف يتسنى لنا أن نعرف ما إذا كان كل عامل من هذه العوامل قد وصل بالفعل إلى هذه الدرجة من القوة ما لم تكن درجة هذه القوة قابلة للقياس؟ فإذا لم تكن هذه العوامل كلها أو بعضها قابلة للقياس، فكيف يمكننا التنبؤ بمصير الظاهرة محل البحث؟
إن هذه الصعوبة هي أحد الأسباب المهمة التي جعلت مثلا تنبؤات كارل ماركس بحدوث ثورة اشتراكية محل جدل شديد بين أتباعه ومعارضيه. فحتى إذا اتفقنا مع ماركس في قوله إن الثورة الاشتراكية لابد أن تحدث متى وصل بؤس العمال إلى درجة معينة، فما هى يا ترى تلك الدرجة المطلوبة من البؤس.
وكيف نعرف ما إذا كان العمال قد وصلوا إليها أو لم يصلوا إليها بعد؟ إن مؤيدي هذه النظرية يستطيعون، في ظل صعوبة القياس، أن يتمسكوا بموقفهم مهما حدث في الواقع. فإذا وقعت الثورة مع اشتداد بؤس العمال، قالوا: «ألم نقل لكم إن هذا هو ما سوف يحدث؟». وإذا لم تقع الثورة رغم اشتداد بؤس العمال، قالوا: «إن بؤس العمال لم يصل إلى الدرجة المطلوبة بعد!».
وأخيرا وليس آخرا، هناك عقبة كأداء في الوصول الى التنبؤ الصحيح وهى ما يسمى «بالتفكير طبقا للرغبة» (wishful thinking). فنحن كثيرا ما نفكر طبقا لرغباتنا وآمالنا وطموحاتنا وليس طبقا لما نراه أمام أعيننا. ومن ثم ما أكثر ما نتنبأ بحدوث شئ معين، ليس لأن هناك عوامل موضوعية ترجح حدوثه، بل لمجرد أننا نرغب بشدة في حدوثه.
وهذا بلا شك واحد من الأسباب التى تؤدى بنا إلى تنبؤات خاطئة، إذ أن الحياة للأسف تسير طبقا لمنطقها الخاص، وليس طبقا لما نتمناه.
كاتب مصري