كيف وافقت حماس على قبول المعونات العربية؟

لا أحد يعرف؟ ولم أعد أستطيع أن أحلل كيف أنه وفي أولى ساعات انسحاب الدبابات الإسرائيلية من غزة وبينما لم تجف بعد دماء الشهداء والأطفال ومنها ما لم يوار الثرى، وبينما ما زال عمال الإنقاذ يكتشفون الجثث بعد الجثث تحت ركام المنازل والمباني المدمرة، كيف استطاع خالد مشعل أن يعلن بجرأته المعهودة مخاطبا الحكام العرب وطالبا منهم: (عدم وضع المال - ويقصد أموال التبرع - في أيدي الفاسدين).

إن قضية (المال) تصبح فجأة في ساعة المأتم قضية جدل. توقعنا أن يقول خالد مشعل في خطابه التلفزيوني المباشر: (شكرا أيها الأخوة العرب والمسلمون. نحن لم نعد بعد بحاجة إلى أموالكم ولا إلى إكراميتكم الإنسانية ولا إلى تبرعاتكم ولا إلى الرث من الألبسة التي جمعتموها لنا من مخلفاتكم ومن ألبستكم التي لم تعودوا بحاجة إليها والتي كومتموها في أكياس مترهلة أمام السوبرماركتات بدلا من رميها في صناديق الزبالة.

ولا نحن في حاجة إلى أموالكم التي فضحتمونا بها في صحفكم المحلية اليومية وبأرقام تبرعاتكم التي لا تساوي مجتمعة قطرة دم واحدة تنزف من جرح في جبهة يد صبي فلسطيني وقف يدافع عن دينه وأرضه وعرضه وعنكم جميعا بالحجارة واليد الممزقة بالشظايا).

ولكن شيئا من ذلك لم يأت في حديث مشعل، وكأن الأمر طبيعي جدا أن يقتل أكثر من 1300 شهيدا وأكثر من خمسة آلاف جريح في بضعة أيام والعرب ظلوا متفرجين وكأنهم أمام مسرحية ميلو درامية شكسبيرية.

تمنيت لو أنه تحدى الجميع قائلا في كلمته وهو في دمشق: (نحن سوف نبني غزة ونقوم بتعميرها بنفس السواعد التي حفرت آلاف الخنادق والأنفاق تحت الأرض لكي نؤمن لقمة الخبز والحليب لأطفالنا الرضع وانتم تأكلون الولائم). لكن مشعل قبل بالمعونات لكنه اشترط تسليمها إلى غير الفاسدين.

لقد شاهدت بأم عيني أكواما من الصناديق المليئة بالألبسة الرجالية والنسائية والأغطية وحتى ألعاب الأطفال البالية التي أصبحت عديمة النفع لدى العائلة التي احتارت فيما تفعل بها فقررت إرسالها إلى ضحايا شهداء غزة. لقد شعرت بالخزي وكأننا نهين هؤلاء الرجال والنساء والأطفال الذي يذبحون تحت الحصار منذ زمن طويل ولم نتحرك قيد أنملة.

صحيح أن الأحوال والأوضاع في غزة ستصبح أكثر سوءا بدون المساعدات والمعونات الخارجية، وأن قبولها سيخفف شيئا عن هؤلاء الذي خسروا كل شيء، أهاليهم ومنازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم، لكنني كمسؤول بمستوى خالد مشعل كان من الأجدر بي أن أتجنب الدخول في مثل هذا الموضوع ودم الأطفال الشهداء ما زال حارا على رمال غزة.

نحن لا نشك ولا نشكك في أمانته ولا في دوره في المقاومة، ولكننا ننظر إليه كقائد ومحارب يجب أن يركز اهتمامه على الأمور الكبرى والمصيرية ويترك التفاصيل الثانوية لمن يعنيه الأمر.

بالفعل، تمنيت لو أن جميع فلسطينيي غزة مع معاناتهم وجراحهم وشهدائهم وقهرهم وجوعهم وعطشهم وتشردهم وصقيع شتائهم رفضوا جملة وتفصيلا أي شكل من أشكال المعونات المقدمة لهم، ورموها في وجوه المتبرعين الذين تركوهم تحت رحمة صواريخ الطائرات الحربية الإسرائيلية ليل نهار وتحت القنابل الفسفورية دون هوادة وظلوا في بيوتهم يتفرجون على آخر أخبارهم وأرقام آخر إحصائية شهدائهم أمام شاشات البلازما التلفزيونية العملاقة.

لقد امتنع العرب حتى عن الخروج في المظاهرات الصامتة في الشوارع، بينما عم شوارع العالم من أثينا إلى فرنسا إلى لندن إلى مدريد إلى طوكيو إلى واشنطن شتى أنواع الغضب الشعبي تضامنا مع أهالي غزة المذبوحين من الوريد إلى الوريد. ولا أريد أن أتطرق إلى الرسالة الالكترونية التي وصلتني من أحد الأصدقاء الفرنسيين في باريس، لأنها موجعة لكرامتنا ولتاريخنا الطويل.

ثم كيف يتجرأ رئيس دولة في أميركا اللاتينية وعلى بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات بعيدا عن غزة بطرد السفير الإسرائيلي في بلده ولا نتجرأ حتى على الاعتراض على وجود سفرائهم بيننا؟ بل والأفظع من كل ذلك، ظل العرب عدة أيام غير متفقين ومختلفين على كيف وأين ومتى ولماذا يجتمعون لينددوا ويشجبوا العدوان؟

مسألة لا تحتاج لا إلى تفسير ولا إلى تحليل ولا تطبيل.

أرجو أن تصل رسالتي هذه إلى أهل غزة قبل فوات الأوان ويرفضوا كل أشكال وأنواع المعونات لهم وكأنهم شحاذون ومتسولون في انتظار من يرمي لهم بصدقة أو بثوب بالٍ أو بغطاء مهترئ، وهم المقاومون الأبطال بكل معنى الكلمة والحرف، حتى تحتفظ تضحياتهم الأخيرة ببريقها ورفعتها وكرامتها، وحتى لا يمن بها غدا عليهم. صحيح أيضا أنني لست في موضعهم، لأنني لم أعش مثلهم قوة التحدي وقساوة الظروف، ولكني أرى أن كل من استطاع أن يقدم أهله وأطفاله وأمواله فداء لدينه وأرضه وعرضه قادر على أن يعيش صائما مدى الدهر وفي غنى عن الآخرين.

ملاحظة: كنت قد نويت قبل كتابة هذه المقالة أن يكون موضوع مقالتي المتواضعة الحديث عن: إن كان شكل نهاية حرب غزة انتصارا لإسرائيل أم هزيمة أخرى لها، لكنني عندما سمعت كلمة السيد خالد مشعل التي كانت تبث مباشرة على قناة الجزيرة تحت عنوان: خبر عاجل، تمنيت لو كنت في مكانه لكنت غيرت موضوع خطبته بما يرقى إلى كبرياء أهل غزة وكرامتهم وبطولاتهم، لذا قررت أن أكون في مكانه من خلال هذه المقالة السريعة.

جامعة الإمارات

draaboodi@gmail.com