في مقال لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف تحت عنوان «سياسة روسيا الخارجية الجديدة» نشرته مؤخراً مجلة «النشرة الدبلوماسية السنوية» في روسيا، كتب لافروف يقول إن «علاقات موسكو وواشنطن تشهد الآن مرحلة صعبة، وهناك اختلافات مبدئية في المواقف من العديد من القضايا العالمية، وأهم مشكلة بين البلدين هي أزمة الثقة»، ويسترسل لافروف في مقاله الطويل الذي يكشف عن تناقضات جوهرية بين السياستين الخارجيتين الأميركية والروسية.
إلا أن لافروف يؤكد في حديثه أنه لا أحد ينوي أو يخطط لإزاحة الولايات المتحدة الأميركية من الصدارة والريادة العالمية، ولكن هذه الريادة يجب في الساس أن تكون إيجابية للجميع، فلا يمكن لدولة ترغب في الريادة العالمية بينما هي تقف موقفا مضادا من العالم في أهم المشاكل والأزمات التي تواجهه، إذ أن هناك قضايا عالمية تواجهها البشرية كلها، ومن يدعي الريادة والزعامة العالمية عليه أن يثبت ذلك بالتصدي لحل هذه القضايا والمشاكل، ومنها على سبيل المثال مشاكل تغير المناخ والأمن الغذائي والفقر العالمي وأمن الطاقة، لا يمكن لدولة تدعي الزعامة العالمية ولا تتصدى بشكل إيجابي لمواجهة هذه المشاكل وترفض التعاون مع الآخرين على حلها.
و ترى روسيا أن زمن الزعامة الفردية للعالم قد ولى ولم يعد يصلح الآن في زمن المشاكل العالمية العميقة والممتدة في كل أنحاء العالم، و أن القوى العالمية التي تتشكل الآن على الساحة الدولية تختلف تماما عن القوى الكبرى التي كانت مهيمنة و سائدة طيلة القرن الماضي، فروسيا بالقطع ليست هي الاتحاد السوفييتي السابق، والصين الآن كعملاق اقتصادي ليست هي الصين العملاق السياسي النووي في الستينات من القرن الماضي.
والاتحاد الأوروبي الآن ليس هو أوروبا التي حاربت النازي وتحالفت مع الولايات المتحدة في معسكر رأسمالي في مواجهة معسكر اشتراكي تزعمته موسكو، العالم كله يتغير، والصين وروسيا يتقاربان بشكل ملحوظ ولا يثير ذلك أي خوف أو قلق لدى الأوروبيين أو غيرهم، كما أن الأوروبيين يتقاربون مع روسيا ويتعاونون معها في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمارات، ولا يشكل هذا التعاون اي مصدر قلق لأحد أو مشاكل للآخرين، وحتى الدول التي يصنفها البعض بالمارقة أو غير المعتدلة أمثال إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرهم نجد العالم كله يتعامل معهم في مختلف المجالات بشكل عادي.
فقط الولايات المتحدة الأميركية وسط العالم التي تريد أن تفرض زعامتها عن طريق الخلافات بين الآخرين وخلق النزاعات والصراعات وتوجيه الاتهامات للآخرين بالإرهاب والتطرف والاستبداد وعدم الديمقراطية، وكلها أمور واتهامات لم تصمد حتى الآن ولم تلق قبولاً من الآخرين.
إذاً على الولايات المتحدة نفسها، وربما وحدها على الساحة الآن أن تغير من سياساتها الخارجية، حتى لا تستمر في عزلتها عن العالم، فقد تجاوز العالم خلال السنوات القليلة الماضية كافة المفردات الأميركية التي استخدمتها واشنطن خلال فترة رئاسة بوش الابن، ولم تعد تصلح هذه المفردات الآن.
وأصبح لزاما على الرئيس الجديد باراك أوباما أن يبحث عن مفردات جديدة مختلفة تماما يقبلها العالم الآن، على واشنطن عندما تتحدث عن الأمن والسلام العالمي ومكافحة الارهاب أن تعني تماما أمن وسلام الجميع بلا استثناء، وأن تعطي هي قبل الآخرين النموذج والقدوة على سعيها لتحقيق الأمن والسلام الدولي، وأهم معيار لتحقيق هذا الهدف هو أن تحترم الولايات المتحدة قبل غيرها إرادة المجتمع الدولي والشرعية الدولية، وأن تتعامل باحترام كامل مع ميثاق الأمم المتحدة كتعبير أساسي ورئيسي عن إرادة المجتمع الدولي.
على الولايات المتحدة أن تتوقف عن كافة سياسات التحرشات والمضايقات مع الدول الأخرى، وألا تتدخل في السياسات الداخلية للدول الأخرى، وألا تسعى لفرض نماذجها في الديمقراطية والحرية على الآخرين. عندئذ لن يكون هناك غضاضة ولا رفض للريادة الأميركية الإيجابية على الساحة الدولية.
كاتب روسي