الحرب على الشعب الفلسطيني وقضيته انطلاقاً من قطاع غزة، لم تنته وإن توقف جانبها العسكري العدواني، لتأخذ - لفترة من الوقت - طابعاً سياسياً تحاول من خلاله إسرائيل أن تحقق ما لم تتمكن من تحقيقه عسكرياً.
حكومة أولمرت التي كانت ستشهد هذه الحرب في كل الحالات وبغض النظر عن المبررات والذرائع التي تسوقها، حددت للحرب هدفاً واضحاً وهو تغيير الوضع الأمني في قطاع غزة، بمعنى وقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية ووقف أية أشكال عسكرية للمقاومة وضمان أمن جنوب إسرائيل.
في هذا الإطار جرت الحرب المجرمة باتجاه إضعاف حركة حماس وفصائل المقاومة، وإرغامها على وقف استخدام الصواريخ أو تهريب وتصنيع المزيد منها، ولم تكن الحرب تستهدف ما كان يقال بين الحين والآخر، تضليلاً على ألسنة بعض المسؤولين الإسرائيليين من أن إسرائيل تسعى لإنهاء سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، ناهيكم عن أنها لم تفكر مطلقاً ولا هي تفكر بإعادة احتلال غزة.
استناداً للأهداف التي حددتها حكومة أولمرت للحرب، يمكن القول حتى الآن إن إسرائيل فشلت في تحقيق ما أرادت، إذ أطلق الفلسطينيون سبعة صواريخ بعد أن أوقفت إسرائيل من طرف واحد إطلاق النار، الأمر الذي سلح حزب الليكود اليميني المعارض، بذخيرة إضافية لتعزيز تقدمه في استطلاعات الرأي.
آخر هذه الاستطلاعات نشر في الصحف الإسرائيلية يوم الاثنين الماضي، وجاءت النتائج لتعطي حزب الليكود المركز الأول بواقع تسعة وعشرين مقعداً، فيما تعطي حزب كاديما ستة وعشرين مقعداً، وسبعة عشر مقعداً لحزب العمل الذي يترأسه وزير الحرب إيهود براك.
قبل الحرب كانت استطلاعات الرأي تظهر تدهوراً في شعبية حزب العمل الذي كان يحصل فقط على سبع أصوات، ورفعتها الحرب إلى سبعة عشر صوتاً، غير أن هذا الرقم ليس ثابتاً، إذ من المتوقع أن يؤدي فشل الحرب في تحقيق نتائجها، وهجوم الليكود القوي على أحزاب الائتلاف في الحكم، إلى تراجع المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها كل من حزب العمل وكاديما.
ولكن بالرغم من هذا التقييم لنتائج الحرب على المستوى الإسرائيلي، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل ما تم تحقيقه من حيث ان جيش الاحتلال الإسرائيلي يشعر بأنه استعاد قدرته على الردع، وبأن سقوط نحو سبعة آلاف فلسطيني بين شهيد وجريح فضلاً عن الدمار الشامل الذي حل بقطاع غزة، إنما يشكل سابقة خطيرة، في تاريخ الصراع، حيث يمكن لإسرائيل أن تصعد حرب الإبادة ضد الفلسطينيين دون أن تنتظر عقاباً أو رادعاً من المجتمع الدولي، الذي يتواطأ مع الحرب الإسرائيلية، هذا في أحسن الأحوال.
عدا عن ذلك حققت إسرائيل أولاً تدويل أمنها، إذ وقعت مع الإدارة الأميركية السابقة وثيقة تفاهم تشترك بموجبها الولايات المتحدة في منع تهريب المعدات العسكرية لقطاع غزة، وكذلك الحال أبدت دولاً أوروبية عديدة منها فرنسا وبريطانيا وألمانيا استعدادها للمشاركة في حماية الأمن الإسرائيلي.
ليس ذلك وحسب، بل إن مجريات وتداعيات الحرب المجرمة على قطاع غزة، أدت إلى تعميق الخلافات والتناقضات العربية، وساهمت في بلورتها، حين أظهرت بوضوح سافر، وجود ما يمكن اعتباره محوري الممانعة والاعتدال.
لقد تجلى هذا الانقسام، في عدم توافق العرب على عقد قمة في بداية الحرب، ثم فشلهم في عقد قمة خاصة بالحرب على قطاع غزة، واقتصار قمة الدوحة على حضور إحدى عشرة دولة عربية، أي دون نصاب، ثم الانتقال بالخلاف الحاد إلى قمة الكويت. وصحيح أن قمة الكويت أفردت جزءاً كبيراً من مناقشاتها لموضوع الحرب على قطاع غزة، والموضوع الفلسطيني عموماً، غير أن المصالحات التي بادر إليها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، لم تفلح في ردم الهوة بين الأطراف العربية المختلفة.
قبل قمة الكويت قيَّم أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى الوضع العربي بأنه يعاني من فوضى كبيرة، أما بعدها فقال إن العلاقات العربية لا تزال متوترة، وأن هذا التوتر انعكس على البيان الختامي بشأن غزة والذي جاء مقتضباً وضعيفاً.
اتفق العرب على إدانة العدوان الإسرائيلي، وحملوا إسرائيل المسؤولية القانونية عن الجرائم التي ارتكبتها، واتفقوا على جمع نحو مليار ونصف المليار دولار لإعادة إعمار قطاع غزة لكنهم لم يتفقوا على ترجمة الإدانة إلى قرارات وخطوات عملية ضد إسرائيل، كما اختلفوا على آليات تقديم الدعم وإعادة الإعمار، بين من يرى أن تتم عبر السلطة الوطنية، أو من خلال الجامعة العربية، ومن يحذر من تجاهل حركة حماس ودورها في هذه العملية.
وفيما أرادت مصر وبعض الدول، أن تقوم القمة بتكليف مصر بملف الحوار الفلسطيني وإنهاء الانقسام، قامت القمة بترحيل الملف إلى وزراء الخارجية العرب، مما يعني إضاعة المزيد من الوقت وربما تشتيت الجهد على خلفية التناقض الواقع بين من يؤيد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومن يؤيد حركة حماس.
لقد أصبح واضحاً أن ملفات إعادة الإعمار وفتح المعابر، وإنهاء الحصار على قطاع غزة مرهونة كلها بملف الحوار الفلسطيني وتشكيل حكومة وحدة وطنية كما تريد حماس أو حكومة توافق وطني كما يريد الرئيس عباس، مما يعني في أحسن الأحوال أن تتأخر كثيراً مسألة إعادة الإعمار، فيما يمكن أن يشكل الانقسام الفلسطيني مرةً أخرى ذريعةً لتواصل الحصار وإغلاق المعابر، اللهم إلا فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية.
إن حصل هذا فإن إسرائيل ستستمر في كونها الطرف الذي يتحكم في مصير الفلسطينيين ونحو إنهاء قضيتهم ومشروعهم الوطني، في حين ستظل بوابات واحتمالات الحرب مفتوحة، خصوصاً في حال نجح حزب الليكود في الانتخابات، ومن واقع أنه ظل يدعو ويضغط على حكومة أولمرت من أجل مواصلة الحرب.
هل يستخرج الفلسطينيون دروس تجربة الحرب وتداعياتها وفي اتجاه معاودة بناء الوضع الفلسطيني وتوحيد الطاقات في مواجهة التناقض الرئيسي مع الاحتلال، أم أن هذه الحرب ستعمق التجاذبات الفلسطينية، والبرامج الخاصة؟ وهذا هو السؤال الأهم الذي تشكل الإجابة عليه مفتاحاً لفهم مستقبل الصراع ومستقبل القضية والشعب الفلسطيني.
كاتب فلسطيني