مقالة الكاتب الأميركي فرانسيس فوكوياما ذات العنوان الخطير «نهاية التأريخ» والتي نشرت في مجلة الشؤون الدولية عام 1989 وجرت توسعتها لتصبح كتاباً يحمل عنوان «نهاية التأريخ والإنسان الأخير» الصادر عام 1992 هي أبرز ما أطلق عليه مجازاً، إضافة إلى ما نشره صموئيل هينتغنتون في مجلة الشؤون الخارجية تحت عنوان صدام الحضارات، مسمى التنظير للفترة التي تزامنت مع نهاية الحرب الباردة في نهايات القرن المنصرم.

والآن وبعد مرور عقد ونصف من السنين على ذلك التنظير تطرح الأوضاع والمستجدات الدولية ما يبرر إعادة دراستها ومناقشتها. فالعنوان الذي اختاره فوكياما لمقالته ثم لكتابه عنوان كبير جداً والنتيجة التي توصل إليها أكبر كثيراً من العنوان. الخلاصة من دراسته هي أن العالم قد وصل مع انتهاء الحرب الباردة إلى نهاية عصر التطور الأيديولوجي في مجال البحث عن نظام سياسي - اجتماعي مثالي يحقق العدالة والتقدم للجنس البشري بديلاً لما أسسه الغرب.

وبذلك فإن الديمقراطية الليبرالية، التي انبثقت وتطورت عن تجربة الغرب، ستكتسب صفة العالمية كشكل نهائي نموذجي لا خيار غيره من أشكال الأنظمة السياسية. هذا الطرح فيه ما هو جديد، فهو، أي فوكياما، لم يتحدث عن الديمقراطية بأبعادها وسماتها التقليدية التي نعرفها وإنما تحدث عن الديمقراطية الليبرالية وهو مصطلح ذو مغزى خاص.

فمصطلح الليبرالية قد أضيف حديثاً إلى مصطلح الديمقراطية وبالتحديد في ثمانينات القرن المنصرم وهي إضافة تحققت بوساطة نهج ابتدعه أبرز محافظي الفكر الغربي ونفذه سياسيون تفوقوا في غلوائهم على سواهم، مرغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية ورونالد ريغان الرئيس الأميركي، والذي عرف في الأوساط السياسية بمسمى «الرأسمالية الليبرالية» التي أطلقت الحريات التامة للشركات الكبيرة للاستحواذ على اقتصادات الدول تحت شعار الخصخصة مما أدى إلى تعزيز كبير لهيمنة المؤسسات المصرفية وتراجع كبير في القطاعات الصناعية وقطاعات التعليم، وتحولت الاقتصادات في بعض الدول الصناعية الهامة إلى اقتصادات مبنية على تقديم الخدمات ليس غير.

الديمقراطية وفق هذا النهج لا تكتمل إلا بتحرير الاقتصاد كلياً من أواصر الارتباط بالدولة، لتتجلى بأبهى حللها حين يصبح السوق حراً ويتضاءل دور الدولة في التخطيط لمساراته وتتخلى عن وضع المعايير لرقابته والاكتفاء فقط بجني الضرائب.

فوكوياما حاول اكساء أطروحته، في تفاصيلها، رداء فلسفياً تتبرج به أمام المادية التاريخية إحدى دعامات الفكر الماركسي وإحدى أبرز النظريات في مقاربة مشكلة العدالة الاجتماعية. فمفهوم الماركسية لنهاية التأريخ، مع أنها لم تتحدث عن ذلك بالطريقة التي تحدث فيها فوكوياما، هو زوال الفوارق الطبقية في نظام عالمي تزول فيه مؤسسات الدولة.

والحقيقة إن مقارعة فوكياما للفكر الماركسي وما توصل إليه لا يخلو من التأثر إن لم يكن وليد عصر الثمانينات الذي شهد وضوحاً في تفوق الغرب على الشرق في الاقتصاد والعلوم تفككت على إثره في نهاية ذلك العقد الكتلة الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي نفسه. وهكذا تسرع كثيرون، ومنهم فوكياما، في تشخيص أسباب ما حدث، وهي أسباب معقدة للغاية ليس لتفوق فلسفة الاقتصاد الحر دور هام فيها، والعبور نحو بلورة مفهوم خطير وكبير مفاده أن التطور الفكري للجنس البشري قد وصل إلى نهاياته فجاء بديمقراطية الاقتصاد الحر.

إنها حقاً لمفارقة أن تتحول نتائج مبتسرة لممارسات اقتصادية، لم تختبر نتائجها بما يكفي سواء على المستوى النظري أم على المستوى التطبيقي، إلى دعامة نظرية تحمل عنواناً كبيراً تطلب استدعاء التأريخ ليكون أحد أعمدته. والحقيقة أنه قد غاب عن فوكياما بأن ليس كل الجنس البشري من يستفيد مِن ديمقراطية الاقتصاد الحر فهي ديمقراطية تستفيد منها القطط السمينة فقط. كما أن تطور الجنس البشري قد يكون له معايير أخرى للتحقق من حجمه ومن طبيعته ثم التمكن من الاستفادة منه غير ما رآها فوكياما وهي زيادة تخمة الشركات الكبيرة وسيطرة الولايات المتحدة على مقدرات الشعوب.

لقد وفرت نهاية الحرب الباردة للولايات المتحدة وحلفائها من دعاة فلسفة الرأسمالية الليبرالية والاقتصاد الحر فرصة فرض رؤاهم وأيديولوجيتهم على العالم مسلحين بما حصدوه في انتصاراتهم وبالغرور الذي تأتي لهم بالانتصار على الفلسفة الغريمة التي ترى نقيض ما يرون، كما وفرت هذه الفترة للمغرورين أنفسهم فرصة اختبار نجاحاتهم الأيديولوجية، فماذا كانت النتيجة؟

الجواب عن هذا التساؤل لا أمتلكه لوحدي بل يمتلكه كل من سرح من عمله وكل من ينتظر مصيراً مماثلاً في وقت قريب، وعدد هؤلاء سيكون رقماً قياسياً في تأريخ البطالة في العالم لن يفوت من يشرف على إعداد كتاب جينيس للأرقام القياسية فرصة الإشارة إليه ومنح الأوسمة لصناعه !. فالعالم كله قد دخل في ركود اقتصادي كبير قادته إليه السياسات التي تبنت رؤية العالم من منظور فلسفة الاقتصاد الحر التي روج لها فوكوياما.

لقد دأبت الولايات المتحدة في العقدين الماضيين على معالجة الأزمات الاقتصادية المتكررة في أماكن مختلفة من العالم بتقديم نفس النصيحة إما مباشرة أو عبر البنك الدولي أو عبر صندوق النقد الدولي: «دعوا السوق تحل المشكلة ولتتنحى الحكومة عن طريقها».

وها هي أخيراً تعفي نفسها من الالتزام بهذه النصيحة وتعلن عن هزيمة فلسفة الرأسمالية الليبرالية حين تلتقط أدوات الفلسفة الغريمة لمواجهة الانهيار الاقتصادي بعد أن وصلت إلى مرحلة لم يعد بإمكانها عمل غير ذلك. وأصبح الأميركيون يتندرون بالاسم الجديد لبلادهمUSSA، جمهورية الولايات المتحدة الأميركية الاشتراكية الذي أطلقه الخبير الاقتصادي السابق بالبيت الأبيض «نوريال روبيني».

وددت أن أقرأ لفوكوياما تنظيرات عن المرحلة الحالية التي تعيشها الدول التي قادت الديموقراطية الليبرالية وانقلبت عليها مختارة أو مجبرة ليكون شاهداً أعاد النظر بإفادته وتخلى عن موقف شاهد الزور على أحداث التأريخ. فالمجتمع البشري لم يتوصل بعد إلى النظام السياسي - الاجتماعي المثالي، ولعل أفضل ما يقدمه المفكر لقراءة: منهج فكري يترك الطريق سالكاً أمام تقدم المسعى البشري في شتى شؤون الحياة وليس الإدعاء بأن هذا المسار أو ذاك قد أصبح مغلقاً، فالإغلاق والانغلاق يتعارضا بالضرورة مع قوانين الطبيعة ويتعارضا كذلك مع النزعة الليبرالية نفسها.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae