صدق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم إمارة دبي، حين قال في قصيدته البديعة (رسالة الأمة إلى القمة)، منتقدًا تباطؤ العرب في تحركاتهم لفعل شيء تجاه ما يحدث في غزة:
وقمة ما عرفنا أين نعقدها لأمة طال فيها القتل والسلبُ
ولو صدقنا عقدناها بثانية في خيمة، حيث لا ألقاب أو رتبُ
وهذا يذكرني بما يُقال عندنا في المثل الشعبي بما معناه «من أراد الصلاة فلن تفوته»، فلا داعي لأن نوجد العذر بعد العذر كي نبرر امتناعنا عن القيام بعمل لا نريده، لأن السبب الحقيقي معروف، وهو عدم الرغبة في القيام بذلك العمل، أيًا كان، حتى لو كان اجتماعا لبحث موضوع يرتبط بحياة مئات الآلاف من إخواننا الذين يحترقون بنيران العدو «الصهيوني» منذ ما يزيد على ثلاثة أسابيع، ولكننا نختلف على أمور شكلية جدًا مقارنة بتلك الأرواح التي تهدر في كل ثانية.
لا يمكنني أن أتجاوز في هذه السطور قصيدة (رسالة الأمة إلى القمة)، ليس لأنها مكتوبة بقلم فارس الشعر فقط، بل لأن كثيرًا من مضامينها تعبر عما يدور في نفس كل واحد منا منذ أن بدأت المحرقة، ولعل هذا البيت أوضح دليل على ذلك:
أدمى فؤاديَ ما يجري بساحتنا ونحن لمّا نزل للسلم نرتقب
إن الذي يجري بساحتنا هذه المرة يختلف كثيرًا عما جرى ويجري عادة؛ فالعدوان «الصهيوني» كان يهدف هذه المرة ؟كما هو واضح من خلال كثير من الدلائل والمعطيات- إلى إبادة أهل غزة إبادة كاملة، وذلك باستهدافه أماكن أكبر التجمعات البشرية، مثل الأحياء السكنية، ومدارس الأونروا، ليحصد أكبر عدد من الأرواح في هجماته التي لا يمكن القول إنها عشوائية، حتى إن كانت تبدو كذلك أحيانًا حين يرى المرء أنها لا تبقي ولا تذر.
تذكر الأخبار أن إحدى العائلات فقدت ثمانية وأربعين شهيدًا في هذا العدوان، وذلك بعد أن طلب جيش الاحتلال منهم التجمع في أحد منازل العائلة، ثم أغارت طائرة حربية على المنزل، ودمرته فوق رؤوس نحو مئة شخص تجمعوا فيه، معظمهم من النساء والأطفال.
هذه حالة واحدة فقط، أو لنقل.. مأساة واحدة فقط، من بين مآس أخرى كثيرة، شاهدنا بعضها على شاشات القنوات الفضائية لا نكاد نصدق ما نرى، ونحن في منازلنا الآمنة ننظر فقط بعيون ملؤها الدهشة والصدمة ونرى ما خلفه العدوان في غزة من دمار شامل، راح ضحيته الآلاف، فكيف بهؤلاء الذين يعيشون المأساة لحظة بلحظة، الذين نجوا من الموت تحت القصف، لكنهم الآن يموتون في كل لحظة، وهم يقفون على حطام دورهم التي يدركون تماما أنها سقطت على عدد من أفراد عائلاتهم، وعليهم الآن البحث عنهم.
إحساس الصدمة الذي يمرّ بأحدهم وهو يرى جزءًا من جثة ابنه أو أخيه أو أي من أقاربه قوي ومباغت، لذلك ينهار الكثيرون ولا يتمكنون من الاقتراب من تلك الجثث، ويكون حال الميت الذي نحسبه عند الله شهيدًا أفضل بكثير من حال من نجا ورأى ما يرونه الآن.
لقد غير هذا العدوان معالم غزة، وساوى جبلها وتلها بسهلها، كما ساوى البنايات التي كانت تتكون من طابقين وثلاثة وأربعة بالأرض، فتغير كل شيء، لدرجة أن كثيرين لم يتمكنوا من معرفة أماكن بيوتهم، وهم ربما كانوا يمرون من فوقها بعد أن أصبحت ركامًا دون أن يعلموا بذلك، وهذه مأساة أخرى، إذ سيتعين على الكثيرين إعادة بناء بيوتهم مع شح الموارد والحصار المفروض.
وهم أساسا مكلومون بفقد العشرات من أهلهم وأحبائهم، أي أنهم غير مهيئين تماما لإعادة البناء الخارجي في حين أن البناء الداخلي النفسي لكل منهم محطم وسيبقى محطمًا أمدًا طويلا، نتيجة أحاسيس الفقد والخوف وغيرها، إلا أن هذا لا يفتّ في عزيمتهم، ولن يجعلهم يفكرون في ترك أرضهم بكل ما ستختزنه خلال الأيام القادمة من ذكريات مريرة ناتجة عن هذا العدوان وآثاره.
بل سيكون كل هذا سببًا في زيادة تمسكهم بحقهم وبأرضهم، ومن المتوقع أنهم سيكونون أكثر شراسة في الدفاع عنها، وذلك كردة فعل طبيعية على الظلم الذي وقع عليهم طيلة أكثر من ثلاثة أسابيع، في حرب غير متكافئة أبدا كعادتها، وبقية العرب لم يتفقوا على المكان الذي سيعقدون فيه قمتهم التي «سيناقشون» فيها الأوضاع في غزة.
لم تكن معالم قطاع غزة وحدها التي تغيرت، فقد تغيرت أيضاً معالم أخرى مهمة، مثل معالم علاقة شعوب العالم المختلفة تجاه «الكيان الصهيوني»، إذ كانت العلاقة سابقًا تقوم على احترام تلك الشعوب لشعب «إسرائيل» الذي عانى ما عانى من تشرد وضياع وظلم خلال فترة الحكم النازي، وهو الآن يعيش «حقه» في أرض تجمع شتاته بجوار مقدسات يزعم أنها له.
وكانت «إسرائيل» في نظر تلك الشعوب أيضاً قوة غير معتدية، إنما تدافع عن نفسها حين تدعو الضرورة لذلك، والضرورة كثيرًا ما كانت تدعو لذلك، لأن «إسرائيل» خبيرة في تلفيق تهم الاعتداء لحركة حماس، ومن الطبيعي أن ترد على تلك الاعتداءات دفاعًا عن نفسها.
هذا هو السيناريو المعتاد الذي يلخص طبيعة العلاقة الودودة القائمة بين «إسرائيل» والشعوب في أوروبا وأميركا، بغض النظر عن مواقف القادة والساسة الذين يفهمون لعبتهم بشكل محترف.
لكنه الآن تغير، وأصبحت الشعوب الأوروبية خصوصًا شديدة الغضب من العدوان «الإسرائيلي» الذي اخترق كل المحظورات، وتجاوز كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها دوليًا تجاه المدنيين والإعلاميين والبنى التحتية وغيرها، فأصبحت اللعبة واضحة للعيان، إلا للمتعامي المتغابي الذي يريد أن يحجب ضوء الشمس بيديه، ولكنه لن يستطيع مهما فعل.
هذه نقطة تسجل لصالح القضية الفلسطينية، حتى إن بدت بسيطة الآن، لكنها لا شك مؤثرة في تلك البلاد. يُضاف إليها طرد السفير «الإسرائيلي» من فنزويلا وبوليفيا، وإغلاق مكاتب التجارة «الإسرائيلية» في قطر وموريتانيا، وهي خطوات عملية تبرز بقوة مواقف رسمية غاضبة ورافضة لما يحدث في غزة.
الضغوطات لا تزال قائمة في مناطق أخرى من الوطن العربي لطرد السفير «الإسرائيلي» منها، ربما تأتي ثمارها بما يشكل مفاجأة لنا، لكننا لن ننتظر كثيرًا هذه المفاجأة في الوقت الراهن، إذ إن المكاسب التي تحققت حتى الآن ؟على الرغم من الخسائر التي تكبدها أشقاؤنا في غزة ماديًا ومعنويًا- كثيرة مقارنة بما تحققه عادة هذه القضية التي توشك أن تصبح منسية في زمن أصبح يؤمن بالسلام من طرف واحد كحل لها، ولكن ليس هذا هو مطلبنا، بل مطلبنا كالآتي:
والحل إما سلام كله أمل يُرجى، وإما نضال كله غضبُ
وإذا كان الأول لن يتحقق إلا بخروج «إسرائيل» من كل شبر فلسطيني، وعودة الحق المغتصب لأهله، ليحل السلام الشامل في المنطقة، فإن باب الحل الثاني سيبقى مشرعًا، ومفتوحًا على كل الاحتمالات والإمكانات.
جامعة الإمارات