ما تبقى من شهداء غزة في ثلاجات مستشفى الشفا، وغيره ومن هم تحت الانقاض ستذهب جثامينهم إلى مثواها الاخير وتوارى الثرى، والجرحى سوف يسكنون أسّرة المستشفيات إلى حين في أرجاء الوطن العربي عبر حملات تلقي جرحى الجريمة الصهيونية، وسيمنّ الله عليهم بالشفاء، والحزانى على من فقدوا اعزاءهم واحباءهم وفلذات اكبادهم سيعاقرون الحزن، يسكنهم ويسكنونه، يصادقهم ويصادقونه.. وسيمنحهم الله صبرا يؤجرون عليه.
ابنية غزة وبيوتها ومرافقها التي صارت ترابا ستعود بعد ان تذهب اليها نجدة الأهل والمسلمين من كل بقاع العالم. وستعمل حملات العطاء وأيادي الخير وصنادق التنمية المعلن عنها وغير المعلن على بث الحياة فيها.. كل شيء سيعود على حاله وافضل طالما الانسان يعانق العزيمة ولا ينفك يصنع الأمل والمستقبل.. كل هذا سيتكفل به الله ومن هداهم من عباده إلى نجدة أهلهم في غزة..
ستعود الحياة وتنتصر على هذه المحرقة الغاشمة.. كل شيء سيكون على مايرام، هذا امر لا يختلف عليه اثنان، ولا يزيغ عنه قلب.
لكن بعد هذا، وبعد ان يبنى البناء وبعد ان ننسى الاحزان، وبعد ان نسجل في سجل التاريخ صمود الصامدين وتضحيات المضحين ووجوه الاطفال الصغار الذين خطف الموت ابتساماتهم من امام ابصارنا، سيكون هناك مشوار طويل لبناء العلاقات التي دست فيها الثعابين والعقارب من سمها ما دست..
المواطن العربي البسيط، يحمل في صدره احلاما كبيرة تفوق اتساع هذا الصدر، احلاما بريئة وصادقة، كبيرة في معناها ومغزاها، هي احلام معنية بالكرامة والعزة ولحمة الدين والدم الذي يسري في العروق.. يصبر العربي على شح رغيف الخبز ولكنه لا يصبر على شح الكرامة والعزة والوحدة ، يظمأ العربي ويموت عطشا ويصبر، لكنه لا يقوى على ظمأ امته وتوهانها.
. فمن بعد ترميم احزان غزة وبيوت غزة وشوارعها، سيكون المشوار طويلا لإعادة ترميم احزان الفرقة وحال التشرذم والشقاق.. سيكون المشوار طويلا لكي يموت السم المدسوس في العروق لتعود لعافيتها الطبيعية..خلفت محرقة غزة، محرقة اخرى في الصف العربي، وازمت محرقة ثانية في الجسد الفلسطيني الذي يتعرض هو الآخر لألاعيب الثعالب وغبث الخبثاء..
واذا كانت صناديق التنمية وصناديق التبرعات التي يقتطعها العربي والمسلم من قوت عياله ستعيد الحياة إلى غزة، فاننا نحتاج لصناديق مشحونة بالعقلانية والعاطفة نقتطعها من سلال الحكمة والمنطق، لكي نعيد بناء تلك الشروخ في جدران الأهل وجدران الامة.. فبعد غزة علينا ان نصرخ ملء حناجرنا لا لهذا الخصام، لا لهذا الاختلاف لا لدس المزيد من السم في الهواء العربي.
