المتابع للتفاعلات السياسية في منطقة الشرق الأوسط سوف يلاحظ أن الدور التركي في هذه التفاعلات قد بدأ يتنامى، منذ مرحلة ما قبل العملية العسكرية الأميركية ضد العراق، ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002. ولم يكن هذا الأمر ليتم بهذه الصورة من دون رغبة دولية وإقليمية ومن دون مقومات أعطت لتركيا الحق في السعي لهذا الدور، خاصة وأن تطورات الوقت الراهن تؤكد أن هذا الدور في سبيله لان يتمدد ويتضخم في المرحلة المقبلة التي تشهد تشكل تحالفات جديدة في المنطقة.
ويمكن القول إن واحدا من المقومات الرئيسية للدور التركي تكمن في وصول حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية إلى الحكم بما أعطى لها قبولا شعبيا في دول المنطقة، بعدما كانت علمانية الدولة وانتماؤها إلى العالم الغربي حائلا بينها وبين القطاعات الشعبية في العالمين العربي والإسلامي.
زاد من الأمر أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة التي دفعتها إلى تبنى استراتيجية تقوم على دعم الإسلام المعتدل في مواجهة إسلام تنظيم القاعدة ووجدت النموذج في حزب العدالة والتنمية الذي يؤمن بالتعددية السياسة وفي نفس الوقت جاء عبر انتخابات ديمقراطية، فقررت أن تدعم هذا الاتجاه وتسوقه في المنطقة، وهو ما تطلب أن توسع إلى حد ما من الدور الإقليمي في المنطقة، ومن هنا جاء مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنته إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش في أعقاب الحرب على العراق.
ومن مقومات الدور التركي الجديد المذهب الديني الذي ينتمي إليه المسلمون الأتراك وهو المذهب السني، فمن جهة فإنها في صراع مذهبي قديم مع إيران التي تريد الولايات المتحدة أن تضعف من دورها الإقليمي. ومن جهة ثانية فإن معظم مسلمي المنطقة خاصة العرب ينتمون إلى المذهب السني الأمر الذي يسهل من التقارب التركي مع الشعوب العربية خاصة وأن الصلات بين الجانبين تاريخية منذ عهد الإمبراطورية العثمانية.
وهناك من يرى أن هذا الدور التركي يأتي كمقدمة لتشكيل محور إقليميي سني يمكن من خلاله تطويق المد الإيراني الشيعي في منطقة الشرق الأوسط، وسوف يتشكل هذا المحور من كل من تركيا ومصر والسعودية والأردن،حسب هذه التحليلات.
وثالث مقومات هذا الدور تأتي من احتفاظ تركيا بعلاقات جيدة مع معظم دول المنطقة خاصة تلك التي تجمع بينها صراعات تتطلب من تركيا القيام بدور الوساطة فيما بينها مثل العرب وإسرائيل، خاصة الجانب الفلسطيني المتمثل في حركة حماس. وقد بدأ هذا الدور التركي في أكثر من أزمة شهدتها منطقة الشرق الأوسط، آخرها المجزرة الإسرائيلية الأخيرة ضد سكان قطاع غزة.
وهذا الأمر يعنى أن الطرف العربي أصبح يقبل بالدور التركي، وهو الذي بدأ من الزيارة التي قام بها وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط لأنقرة في بداية الأزمة، وأن الطرف الإسرائيلي يقبل هو الآخر بنفس الدور، فضلا عن أن الأطراف الدولية ممثلة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية تقبل هي الأخرى به.
ولاشك أن كل طرف من الأطراف ذات الصلة بتفاعلات المنطقة له وجهة نظر فيما يتعلق بالدور التركي، فمن جهة فإن إسرائيل تريد النظام الإقليمي الحالي هو الذي يحكم تفاعلات المنطقة وهو النظام الإقليمي العربي الذي يتكون فقط من الدول العربية، أما الولايات المتحدة فهي تسعى ومنذ عقود إلى إحلال نظام شرق أوسطى محل هذا النظام العربي، أما الطرف العربي فهو يستعين بتركيا في أوقات الأزمات لمواجهة عجز النظام العربي.
أما تركيا نفسها فهي تسعى لان تكون الدولة الإقليمية المركزية في النظام الإقليمي الجديد الذي تتشكل ملامحه في الوقت الراهن، وهي تريد من خلال هذا الدور الاقتراب من حلمها التاريخي الذي يتمثل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهى تقدم نفسها للطرف الأوروبي باعتبارها يمكن أن تكون هي جسر التواصل بينها وبين العالم الإسلامي.
وهو الأمر الذي يختبره الاتحاد الاوروبي حاليا، حيث انه لم يقبل عضويتها ولم يرفضها ويجري معها حوارا حول قضايا اقتصادية وحقوقية وثقافية لكنه في نفس الوقت يختبر دورها الذي يمكن أن تقوم به لصالح الاتحاد في المراحل المقبلة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الدور التركي وإن كان يحظى على الدوام بدعم رسمي من دول لها مصالح في منطقة الشرق الأوسط أو من بعض دول المنطقة، فإن الجديد الآن هو أن مثل هذا الدور أصبح يحظى بشرعية شعبية بسبب الموقف التركي المتشدد إزاء الهجمات الإسرائيلية الوحشية ضد سكان غزة .
وهو ما بدا من تصريحاته القوية من جهة، ورفضه الحديث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت من جهة ثانية. وهذه النقطة إذا ما أضفناها إلى الجانب المذهبي ضمن مقومات الدور التركي لاتضح لنا أن تركيا قطعت شوطا كبيرا على صعيد تكريس دورها الإقليمي الواسع في المنطقة.
والعائق الوحيد أمام هذا الدور هو انه ارتبط هو ومقوماته بصعود حزب العدالة والتنمية، وبالسياسات التي اتخذها الحزب، وبرغبة القوى الكبرى بان تستثمر صعوده في تنفيذ سياسات خاصة بها في المنطقة، وهذا يعنى أن الدور التركي أصبح مرتبطا بهذا الحزب، فإذا ما علمنا أن شعبية الحزب تتراجع داخليا في الوقت الراهن،وان تداول السلطة في تركيا يمكن أن يأتي بأحزاب أخرى إلى الحكم هناك، فإن علامات استفهام واسعة لابد من أن توضع أمام هذا الدور التركي في المستقبل.
كاتب مصري
