لست محللاً سياسياً لأقرأ دلالات غبار الاتهامات المتطاير في السماء العربية والذي يبدو أنه يفوق دخان قنابل الفوسفور التي تحرق سماء غزة وأجساد أهلها..

العدو صامد وثابت على لغة واحدة لم تتغير ولم تتبدل، لغة الحرب، لغة الموت وفقط، وبهذا يكون العدو أكثر وضوحاً في فعله وقوله، بينما الفضاء العربي تتطاير فيه السهام في فوضى وعشوائية، سهام طائشة لا تعرف هدفاً محدداً، ولهذا فهي لا تطيش إلى المكان الصحيح و لا تنغرس في صدر الذي يقتلنا بقدر ما يدفعها الجنون في الجهات إلى طعن الصدر العربي الكبير!!

حرب على هامش حرب، واحدة تحرق وتقتل بآخر ما أنتجته مصانع الموت، وواحدة ايضاً تحرق وتقتل بآخر ما انتجه الاختلاف والشقاق وتضارب الرؤى وانفلاش الحكمة وبهوت المنطق وذوبانه وتحوله إلى سم مر!!

خلال اليومين الماضيين نجحت السهام العربية المتطايرة في التشويش على أفعال العدو الأصلي، ووفر غبار الاختلاف الأسود المتطاير غطاءً مناسباً للجريمة الأصل، ومن أكثر المحاربين سعادة وأمنا اليوم هو ذلك الصعلوك الصهيوني الذي يجلس في دبابة وينتقي ما يريد قصفه ومن يريد تفتيت جسده عبر منظاره المكبر .. فما الذي يحدث لنا؟ ولماذا يحدث هكذا؟ وماذا يمكننا أن نفهم منه؟ وبماذا نجيب حينما نسأل عن دلالات تلك السهام التي لا ترتد إلا لصدورنا؟

غبار أسود في السماء العربية، وسم يتطاير أفتك من مركبات الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب التي تذوب به عظام أطفال غزة.. وماذا بعد يا سادة؟ ماذا بعد يا عقلاءنا؟

لست غارقا في السياسة وهواها لا يغويني ولا يغريني..لكن الأمر يذهب إلى أخطر من الموت المنهمر على غزة.. يعيد إضاءة حوادث في التاريخ، أخبرنا عنها آباؤنا ومعلمونا يوم كنا صغاراً على دكة الدرس.. يوم سألنا سؤالنا البريء ذات يوم.. أستاذ: ماذا فعل العرب يومها؟ فقال ما قال وطعننا بالخنجر المسموم!

ذاك كان جيلا عربيا توفر له الفتات من المعرفة والإدراك مزوي في ركن ضيق ولا نوافذ مفتوحة على العالم..أما اليوم فإن هذا يحدث في وجود جيل يرى ذرة الهواء بحجم مجرة، جيل بلا أسرار، والفضيحة التي كان آباؤها قادرين على سترها صارت حرة ومشاعة!!

mhalyan@albayan.ae