ما أشد دهشتنا عندما يتنبأ أحد الأشخاص، قارئ للكف أو للفنجان أو لحركة النجوم، بأن حادثا ما سيقع لنا في المستقبل، ثم يقع هذا الحادث بالفعل. ولكن ما أكثر أن يحدث العكس : أن تخيب التنبؤات حتى عندما تصدر من علماء كبار، يفترض أن يساعدهم علمهم بمختلف العوامل المسببة لبعض الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية، على التنبؤ الصحيح، أو عندما يخيب تنبؤ مؤرخيين مرموقين يفترض أن معرفتهم الواسعة بالتاريخ تمكنهم من الوصول إلى توقعات صحيحة عن المستقبل.

ما أكثر أيضا أن يفاجأ الناس بحادثة مهمة وبالغة الآثر في حياتهم، لم يخطر ببال أحد، لا عالم ولا مؤرخ، أن يتنبأ بحدوثها، فإذا بالجميع، علماء ومؤرخون وأشخاص عاديون، ينظر بعضهم إلى بعض مندهشين من أن أحدا منهم لم يتوقع ما حدث، وإذا بالجميع يحاولون التكيف مع الظاهرة بعد وقوعها، وقد كانوا يتمنون لو تنبأ أحدهم بها وحذرهم منها قبل وقوعها.

أقرب هذه الأحداث إلينا الأزمة المالية العالمية، التي فاجأت الجميع في سبتمبر 2008. كيف يمكن لاقتصاديين كبار أن يؤخذوا على حين غرّة بوقوع الأزمة، مع جسامة آثارها، والمفترض أن علمهم الواسع بالأحوال الاقتصادية وأسبابها، وبالتاريخ الاقتصادي وتقلباته، يمكنهم من التنبؤ بوقوع أزمة بهذه الضخامة قبل وقوعها؟

ولكن مثال الأزمة المالية الأخيرة ليس هو الوحيد ولا أكثر الأمثلة خطورة.

فعندما سقط حائط برلين الشهير الذي كان يفصل العالم الاشتراكي عن الرأسمالي، في 1989 ثم انهارت دولة بعد أخرى من الدول الاشتراكية في شرق أوربا، بما فيها الاتحاد السوفييتي بكل قوته وجبروته، فغر الناس أفواهم في الغرب والشرق في دهشة عظيمة. هل هذا ممكن ؟ من الذي كان يتصور حدوث هذا بهذه السرعة ؟ ولماذا لم يقل لنا أحد أن هذا السقوط ممكن ووشيك الوقوع ؟

نعم، ما أكثر من كتب وقال إن الاشتراكية نظام غير طبيعي ولا يمكن أن يتحقق، وإذا تحقق فلا بد أن يزول. ولكن هذا الكلام يقال منذ قرن ونصف على الأقل، دون أن يمنع من قيام نظم اشتراكية في دولة بعد أخرى، واستمرار بعضها أكثر من سبعين عاما. فكيف يعتبر هذا الكلام (تنبؤا) بسقوط الاشتراكية فجأة في نهاية الثمانينات من القرن العشرين ؟

على نفس النحو كان قيام الثورة الروسية الاشتراكية في 1917 مفاجأة، وقيام الحربين العالميتين في 1914 ثم في 1939 مفاجأة أيضا إذ كان معظم الناس، بما فيهم سياسيون كبار، يأملون حتى آخر لحظة في أن يكون من الممكن تجنب نشوب الحرب.

يمكن أن يقال الشيء نفسه عن حرب 1967، والهزيمة العربية على نحو لم يتوقعه أكثر المحللين العرب تشاؤما، وعن الارتفاع المفاجئ لأسعار البترول في 1973 و1974، وتضاعفها عدة مرات في غضون شهور قليلة، وما تلا ذلك من تضخم جامح وتورط كنير من الدول في الديون.

في 1997 وقعت في جنوب شرقي آسيا أزمة مالية مفاجئة، أدت إلى كساد اقتصادي شديد، فتدهورت معدلات النمو بشدة في كوريا واندونيسيا وماليزيا وتايلاند. وكان البنك الدولي قبل وقوع الأزمة بشهر أو شهرين ينصح دولة كمصر بأن تفعل بالضبط مثل ما تفعله أندونيسيا. ثم سرعان ما اعترفت بعض المؤسسات المالية الدولية الكبرى بأن نصائحها لهذه الدول كانت خاطئة.

مثال أخير يعود إلى عشرين عاما مضت. فعندما سقط الاتحاد السوفييتى وبقية النظم الاشتراكية في شرق أوروبا، وبدت المبادئ الاشتراكية في محنة حقيقية، صدرت بعض الكتب والمقالات التي حازت شهرة هائلة، وتحتوى على ما يشبه التنبؤ بمستقبل العالم.

ظهر كتاب فوكوياما الشهير (نهاية التاريخ) الذي يتضمن ما يشبه التنبؤ بأن النظام الرأسمالي باق إلى الأبد، وأن سقوط النظام الاشتراكي يفصح عن نهاية الصراع بين الأيديولوجيات، وأن نظام السوق الحرة والليبرالية السياسية على النمط الغربي، أتضح تفوقه على كل ما عداه، وقد اعتبر الكتاب من عدة وجوه تمجيدا للنظام السياسي والاقتصادي المطبق في الولايات المتحدة.

ثم ظهر بعد هذا الكتاب بوقت قصير كتاب لمؤلف أميركي آخر (هنتنغتون) بعنوان (صراع الحضارات)، حاز بدوره شهرة واسعة، وكان يتنبأ بأن الصراع الأيديولوجي الذي ساد طوال الجزء الأكبر من القرن العشرين سيحل محله (صراع بين الحضارات) بمعنى أن التنافس العقائدي سيحل محله صراع (ثقافي) بالمعنى الواسع للثقافة، ورشح الحضارة أو الثقافة الإسلامية لأن تكون هي المنافس (أو العدو) الأساسي للحضارة الغربية، ولكنه شرح بالطبع الأسباب التي لا بد أن تؤدى إلى انتصار الحضارة الغربية.

شغل هذان الكتابان (نهاية التاريخ وصراع الحضارات) الناس والمعلقين سنوات كثيرة، وعقدت بسببهما الندوات والمؤتمرات، ولكن ظهرت في نفس الوقت سمات ضعف خطيرة على الولايات المتحدة وعلى مركزها في العالم.

وزادت هذه السمات وضوحا على الأخص بعد دخول القوات الأميركية العراق في 2003: فشل في إتمام الاحتلال دون مقاومة عنيفة، إعلان بعض المقترحات عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط تحت مسميات مختلفة، ثم سحب هذه المقترحات والكف عن ترديدها، تهديدات متتالية لإيران دون أن يعقبها هجوم فعلى، سقوط رجال مهمين من الإدارة الأميركية واختفاؤهم تماما من السلطة.

ثم وقوع الأزمة المالية في الولايات المتحدة ثم انتشارها في دول أوروبا وآسيا مما دعا بعض الدول الكبرى (بما في ذلك دول تنتسب إلى حضارات أخرى) إلى أن تكف عن لعب دور التابع للسياسة الأميركية، وإصرارها على أن يكون لها دور أساسي، من الآن فصاعدا، في تحديد مسار العالم (الاقتصادي على الأقل). بل إن الأزمة المالية أدت إلى إحياء آمال بعض الاشتراكيين في أن تكون هذه الأزمة بداية صحوة جديدة للاشتراكية.

هكذا رأينا فجأة، أن تنبؤات فوكوياما وهنتنغتون قد فقدت الكثير من مغزاها وأهميتها. وكأن عشرين عاما كانت كافية للعدول عنها، وأصبح العالم في حاجة إلى تنبؤات جديدة.

ما أسباب هذا الفشل المتتالي في التنبؤ ؟ لماذا يخيب التنبؤ بمستقبل العالم المرة بعد الأخرى، ويفاجأ الناس، مرة بعد أخرى، بأحداث مدهشة لم يتنبأ بها أحد؟

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu