احتلت السلطنة العثمانية البلدان العربية طوال أربعمئة عام (1516 ـ 1916)، فرضت عليها خلالها حكماً مباشراً في المرحلة الأولى، ثم تراخت قبضتها في بعض هذه البلدان بعد ما يقارب الثلاثة قرون لصالح الاستعمار الأوروبي (الإنجليزي والفرنسي) وبقيت علاقتها بها رمزية، أما البعض الآخر القريب جغرافياً من تركيا فقد بقي تابعاً تبعية مباشرة للسلطان (بلاد الشام والعراق)، حيث كان السلطان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيه، وتحولت السلطنة العثمانية إلى إمبراطورية بعد أن احتلت بلداناً أوروبية ووصلت إلى أبواب فيينا.
لم يحترم نظام السلطنة الحقوق العربية ولم يعترف بها، فكانت اللغة التركية هي لغة المدارس والمحاكم، وكان العرب يحتاجون في بلادهم إلى مترجم إذا أرادوا التواصل مع الدولة وإداراتها، ورفض الباب العالي تطبيق اللامركزية في الولايات التابعة له، وأصر على أن يؤدي العرب خدمتهم العسكرية الإلزامية في غير بلادهم، فأشركتهم الدولة في حروبها مع روسيا ومع بلدان أوروبا (بلاد البلقان وشرق أوروبا)، وحول ملكية الدولة من الأراضي (الزراعية وغير الزراعية) إلى أراض أميرية واعتبر الفلاحين العرب مجرد مستثمرين لها لا مالكين،
ولم يسمح بدخول المطابع أو إصدار الصحف والكتب، وحارب كل محاولات الإصلاح التي طالب بها العرب (الحرية، الديمقراطية، فصل السلطات، اللامركزية، الحقوق القومية.. الخ)، وحتى عندما اضطر السلطان لإصدار خط شريف كولخانة (1839) وخط شريف همايون (1856) الإصلاحيين، لم يُنفذ منهما شيئاً مهماً يخص العرب، وكل ما نفذته السلطنة هو ما يهم الأوروبيين الذين كانت تجهد لنيل رضاهم.
وعلى أية حال لم يسكت العرب فحمل المتنورون منهم شعلة النهضة، وهيؤوا المناخ والشروط الملائمة للثورة على الحكم العثماني، إلى أن أعلنت الثورة العربية الكبرى عام 1916 وتخلصت البلدان العربية من السيطرة العثمانية.
انقلب مصطفى كمال أتاتورك على «الرجل المريض»، وهي الصفة التي أطلقت على السلطنة العثمانية، وأعلن الجمهورية عام (1923) ورأى أن خلاص تركيا يتمثل في ظل مشاكل مع الجيران، لا عثمانية ولا إمبراطورية ولا توسع، كما يتمثل في تبني النظام السياسي (العلماني) والثقافة الأوروبية والتقاليد الأوروبية وتتريك الأقليات التي تعيش في تركيا، وإدارة الظهر للعالم التركي في آسيا الوسطى والعالمين العربي والإسلامي. وفيما بعد،
أي منذ خمسينات القرن الماضي، دخلت تركيا حلف شمال الأطلسي وتحولت إلى رأس حربة للهيمنة الأمريكية (لنتذكر دخولها في حلف بغداد وتهديدها لسوريا وعلاقتها العسكرية مع إسرائيل وغير ذلك)، لكنها رغم ذلك لم تلاق قبولاً وترحيباً من أوروبا كما يجب، فضعف اقتصادها وخسرت دورها الإقليمي ومجالها الحيوي وأصبحت شبه نقيض للدول العربية والإسلامية المحيطة بها وغير المحيطة، دون أن تربح أوروبا.
تغيرت الظروف العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة، ثم تولى حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002، وحاول تنفيذ الشروط الأوروبية كي تُقبل تركيا عضواً في المنظومة الأوروبية، وعدّل وبدّل وغير سياسات الدولة التركية، وخاصة تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات والنظام الاقتصادي، وأقر عديداً من القوانين تنفيذاً للمطالب الأوروبية، دون أن تجد تركيا مع ذلك قبولاً من المنظومة الأوروبية التي أمطرتها بمطالب لا تنتهي.
ويبدو أن كل هذه التعقيدات، ومع بعض الحكمة والدراسة، وجد حزب العدالة أن مجال تركيا الحيوي ودورها الإقليمي الشرق أوسطي أمر ثمين لا ينبغي التفريط فيه، وأن مصالح تركيا قائمة مع دول المحيط، ويمكنها أن تلعب فعلاً دوراً إقليمياً هاماً وتحقق مكاسب كبيرة قد لا تقل عن مكاسبها إذا قُبلت عضواً في المنظومة الأوروبية، وأن لعب هذا الدور والاستفادة من الفرصة المتاحة لا يتناقض مع السعي وبذل الجهود للدخول إلى العالم الأوروبي.
ويبدو أنها قررت اتباع استراتيجية أخرى تزاوج بين مصالحها مع أوروبا ومصالحها ودورها مع محيطها، فعقلنت علاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل، وأعادت تمتين علاقاتها مع العالم التركي في وسط آسيا ومع دول القوقاز، فضلاً عن إعادة إحياء العلاقات مع البلدان العربية والإسلامية. ولعل الحكومة التركية أدركت أن لعب دور إقليمي جاد يؤهلها أكثر من أي وقت مضى لتكون صلة الوصل بين العالم الإسلامي والشرقي وبين العالم الأوروبي.
كما يعزز فرصها في قبول الأوروبيين لها ضمن منظومتهم، في الوقت الذي ترى فيه الولايات المتحدة أن الدور الإقليمي التركي الجديد قد يكون عاملاً معدلاً لنفوذ الدور الإيراني، لأسباب تاريخية ومذهبية واقتصادية وغيرها. هذا إضافة إلى أن السياسة التركية الإقليمية الجديدة تزيد شعبية النظام وتزيد ثقة شعبه به، وتعطيه نكهة الهوية التركية التي افتقدها منذ قيام الجمهورية في عشرينات القرن الماضي.
لعل هذا كله (إضافة لبعض الأيديولوجيا) يفسر الموقف التركي الصارم المعادي للعدوان الإسرائيلي على غزة، والذي عبر عن نفسه بالمظاهرات المليونية التي ملأت شوارع المدن التركية، وبالنقد الشديد الذي وجهه رجب طيب أردوغان للممارسات الإسرائيلية الهمجية والمطالبة بمعاقبة إسرائيل، بل وبالنقد الآخر لسياسة الولايات المتحدة، كما يفسر الإصرار التركي على الدخول في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والسورية الإسرائيلية دخولاً صريحاً للوصول إلى تسوية، انطلاقاً من العلاقات التركية الطيبة مع جميع الأطراف.
لقد أحسنت الحكومة التركية في تبني استراتيجيتها الإقليمية هذه، والتي تحمل في طياتها احتمال نجاحات هامة لتركيا كي تستفيد من مجالها الحيوي التاريخي والثقافي والجغرافي، وتلعب دوراً إقليمياً سيكون له أثر كبير على تطور المنطقة وتوجهاتها المقبلة وعلى المصالح التركية نفسها.