لأن العجز يلفنا من جميع الجهات، ولأنه ما عاد في الأمل روح ولا بقية منها ونحن نعيش هذا الواقع، فمن الطبيعي ان نبحث عن النجدة في الخطوط المتراجعة لعل شيئاً فيها يرجنا ويعيد خلايانا العصبية من غيبوبتها. وهذه محاولات تتراجع للخلف لعلها تلتقط أنفاساً حية:
إذا أردت ان تصفعك النظرات ويستهجن فعلك من حولك. فحاول ان تردد كلمات من الأغنية الحماسية الشهيرة.. أخي جاوز الظالمون المدى، فحق الجهاد وحق الفدا..جرب ان تفعلها في محيطك وستدرك كم أنت متخلف وخارج عن زمنك وغبار السنين يتطاير من فمك، شعرك مبثوث ومنفوش وكأنك خرجت لتوك من جحر حرباء جبلية، تلفك رائحة الدهور القديمة، شكلك العام يؤهلك ان تكون إكسسواراً في متحف!
في معاركنا مع العدو كانت القصائد والأبيات الشعرية تتفجر وتتشظى في الهواء العربي مرعبة العدو ومخلخلة خطوطه الأمامية والخلفية ، خصوصاً أولئك، من فرسان الشعر الحر الأكثر تحرراً من نواميس الثوابت والأصول والمتمردين على الأنظمة والعسكر وجواسيس الليل، بل تعرف مكتبة الشعر العربي اليوم ما يعرف بشعر المقاومة والتحرير والوطن السليب شعر مثل شعر المهجر والبؤس والجوع والظلام.
منذ جريمة الصهاينة في جنوب لبنان 2006 ومحرقة غزة التي تحرقنا وتكوينا اليوم لم ينبس الشعر الحر بكلمة.. ذهب هو الآخر إلى ذاك المتحف وتحول إلى إكسسوار قديم، مثلما هي بنادقنا العربية الملمعة في مخازنها المنكسة تحت سطح الأرض!
مطربات الجيل الصاعد في ساحة الغناء العربي أكثر ثراء من مطربات زمان خصوصاً بعدما صار الفيديو كليب يساهم في صعودهن بسرعة الصاروخ الذي تطلقه الاباتشي الإسرائيلية على أطفال غزة. اما المرحومة كوكب الشرق أم كلثوم ومن كانوا في جيلها، فكانت تحيي حفلات غنائية ذات شعر رصين وموسيقى تهذب الذائقة السمعية لا تهدمها من اجل تمويل المجهود الحربي.. مطربات جيل الصاروخ الصاعد لم يخرجن علينا حتى اليوم بأغنيات شجب وادانة وبكاء يجسد آلام المذبحة ولم يثرن الحماسة فينا من اجل الصمود والتحدي وبث العزيمة.. ومثلما تهدم القذائف بنايات غزة ومساكنها على رؤوس الأبرياء تهدم صواريخ مغنياتنا الصاعدات بالذوق الرخيص العزائم وتزلزل الأرض بالآثام!
لا يشي يحيلنا ويحولنا عن ليل غزة الذي طلق السواد فصار لون الدم لونه.. لكن هناك من يمتلك القدرة فعلاً على التعامل مع هذه المذبحة وكأنها لعبة الكترونية تبث عبر شاشات التلفزيون والضحايا فيها شخصيات كرتونية ثلاثية الأبعاد!
من صار عنده كل شيء عادي وطبيعي حتى حرب الاذلال وتركيع إرادة الأمة فمن الطبيعي ان لا تعنيه المسألة برمتها. مثل كثير من القنوات الفضائية العربية التي حولت خبر الموت القادم من ارض المحرقة خبر ثالث ورابع تسبقه أغنية ويليه برنامج ترفيهي!
