منذ أكثر من أسبوعين والبربرية تصب حممها على غزة. وبطريقة مخططة ومنظمة تجهد إسرائيل من أجل تدمير الشعب الفلسطيني في غزة وكل ما يدل على الحياة الاجتماعية فيها. وبالإضافة للوضع الإنساني الرهيب في أرض الواقع لا يمكن للمرء إلا أن يستثار أمام غياب أي رد فعل لما لا يزال يسمى المجموعة الدولية .
ويكتفي مجلس الأمن الدولي بدور المعلق على ما يجري كون أن الولايات المتحدة تعارض أي قرار قد ينتقد سياسة تل أبيب. والاتحاد الأوروبي لا يتميز هو أيضا بشجاعته السياسية. بل ذهب الأمر بالرئيس الجديد للاتحاد الأوروبي التشيكي فاكلاس كلاوس إلى حد القول انه ينبغي فهم رد فعل إسرائيل التي تمارس حقها في الدفاع عن النفس!. لا شك هناك الكثير من القادة الأوروبيين الذين انتقدوا مباشرة بشدة موقف الرئيس التشيكي . لكن لا بد من ملاحظة أن الاتحاد الأوروبي لم يستطع تقديم اقتراحات وتنفيذها من أجل الخروج من الأزمة.إن فهم هذا العجز السياسي المقلق يتطلب وضع سياسة الاتحاد الأوروبي حيال النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ضمن سياقها .
وبتاريخ 8 ديسمبر 2008 قرر وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي بالإجماع تعزيز الروابط مع إسرائيل التي أصبحت علاقاتها وثيقة أكثر مع سياسة المفوضية الأوروبية في بروكسل. ذلك القرار كان متناقضا تماما مع القرار الذي كان البرلمان الأوروبي قد صادق عليه قبل عدة أيام والذي كان قد اشترط تعميق العلاقات مع إسرائيل بتحسين الأوضاع في الضفة الغربية وغزة وبالتطورات الواقعية مع ما تطلق عليه أيضا تسمية «مسيرة السلام».
تجدر الإشارة أن الاتحاد الأوروبي قد قام على أساس قيم ومبادئ لا تتماشى مع الخروقات المتكررة لحقوق الإنسان من قبل إسرائيل . ومنذ مؤتمر انابوليس عام 2007 قامت الحكومة الإسرائيلية بنقض جميع التزاماتها عبر بناء أو توسيع مستعمرات جديدة. وتابعت بناء (جدار التمييز العنصري) الذي اعتبرته محكمة العدل التابعة للأمم المتحدة منافيا للشرعية، وزادت عدد الطرق التي تربط بين المستعمرات في الضفة الغربية مع منع الفلسطينيين من استخدامها.
ورغم هذه الوقائع الخطيرة جدا قرر المجلس الأوروبي أن تكتسب إسرائيل اعتبارا من شهر أبريل 2009 صفة «شريك متميز» للاتحاد الأوروبي بدلا من صفة «المشارك» التي كانت قد أقرت عام 1995 ودخلت حيز التطبيق عام 2000. وقد جاء في النص الجديد أنه «ينبغي أن تقوم الشراكة المتميزة على القيم المشتركة للطرفين خاصة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وتطبيق قوانين الحريات الأساسية والقوانين الإنسانية الدولية». وغني عن القول ان هذا النص يمشي في الاتجاه المعاكس تماما للسياسة اليومية التي تمارسها تل أبيب.
إن القرار الأوروبي لشهر ديسمبر الماضي يبدو كتشجيع للإسرائيليين في سياساتهم وأنه مهما كانت الممارسات التي يتبعونها ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك قصف غزة واجتياحها، لن يواجهها رد فعل كبير من قبل الأوروبيين وبالتالي هم بمنجاة من كل عقاب. بهذا المعنى، أردنا أم لم نرد، يتحمل الاتحاد الأوروبي مسؤولية في الوضع القائم بعزة.
هذا خاصة أمام الصمت المطبق لباراك اوباما والدعم غير المشروط لإسرائيل من قبل الرئيس بوش وحيث كان ينبغي على الدول الأوروبية ال27 ليس تعليق قرارها فحسب ولكن أيضا نقض الاتفاقيات العديدة للتعاون الاقتصادي مع إسرائيل.
بالطبع لا يتحمل الاتحاد الأوروبي وحده المسؤولية فالمجموعة الدولية والأمم المتحدة والولايات المتحدة خاصة لم تسع أبدا إلى إرغام إسرائيل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة . إن الاتحاد الأوروبي يبحث عن إرضاء ضميره عبر القيام بمشاريع ملموسة في الضفة الغربية وتقديم مساعدات مالية تتيح لبعض الفلسطينيين إمكانية العيش،لكن دون اقتراح حلول سياسية بالتوازي وربما أسوأ من ذلك أخذ مكان إسرائيل عبر تحمل الأعباء الاقتصادية التي ينبغي عليها أن تتحملها حسب القانون الدولي كقوة احتلال حيال الذين تحتلهم.
والبرلمان الأوروبي لا يملك الوزن السياسي الضروري لفرض خياراته على وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المنقسمين أصلا تبعا للخيارات الوطنية لبلدانهم ويقبلون في أغلب الأحيان الواقع الذي تفرضه إسرائيل، بالتالي لا يستطيع الاتحاد الأوروبي التحدث بصوت واحد ولعب دور سياسي هام وغير منحاز لوضع حد للاحتلال وفرض نهاية العدوان الإسرائيلي في السياق الراهن .
بالنسبة لجولة الرئيس ساركوزي في الشرق الأوسط يومي 5 و6 يناير الجاري فهي تعبير عن الوضع الأوروبي. وبعيدا عن كون أن الرئيس الفرنسي مفرط في ثقته بقدرته التأثير على «أصدقائه الإسرائيليين» كما يسميهم، من الملفت للانتباه أنه لم يفكر، كما يبدو، في أن يصطحب معه إلى الشرق الأوسط قائدا أو عدة قادة أوروبيين. ولم يتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزيرة خارجيته في الرفض القاطع لطلبه وقف إطلاق النار. إن الطاقة الحقيقية التي يبذلها الرئيس ساركوزي لم تظهر كافية لتغيير سياسة إسرائيلية ووقف عدوان على غزة جرى التخطيط له منذ فترة طويلة.
مع ذلك ومهما كانت النتائج التي ستترتب على مهمة الرئيس الفرنسي فهي تدل على عودة فرنسا القوية إلى المسرح الشرق أوسطي. وإذا كانت جولة ساركوزي لم تعط كل النتائج المرجوة فهي قد سمحت مع ذلك بتحريك الخطوط السياسية. بهذا المعنى لم يخسر الرئيس الفرنسي رهانه كاملا.
كاتب ومحلل سياسي فرنسي