صرخت بالأمس امرأة من غزة محاصرة لا يفتح الكون أمامها نافذة للنجاة بالنفس ولا لنفس من الهواء، حاصرها القصف الجوي وحرائق الفسفور الابيض والقوات الخاصة التي أنزلها الصهاينة التي تخفت في ملابس طواقم الاسعاف، هددوها بالخروج من منزلها، وحينما فعلت انهال عليها الرصاص من ثقوب الهواء، لا مكان للاحياء في غزة، هذا هو العنوان العريض الذي يتفق عليه كل من تتكشف له تفاصيل المحرقة كاملة هناك والجريمة العلنية التي يرتكبها الصهاينة أمام أعين حماة الانسان والحرية والديمقراطيات وراسمي خرائط الشرق الاوسط الجديد.

لا حياة في غزة.. موت منهمر وصراخ الموتى والجرحى شقق جدران العالم. هذه المرة رفع أهل غزة اللافتات فوق جدران مقابرهم، ايضا لا مكان لدفن الاموات، لا مكان لقبر ، ومن وجدوا له قبرا دفن فيه حسب شريعة الله فقد نجا!! ولم يكتب له قبر منفرد بحثوا له عن اشبار في قبر ميت آخر نبشوا تربته واشركوه معه..

وبينما يقصف الصهاينة البيوت وطوابق البنايات على رؤوس ساكنيها الابرياء، شيد الاحياء للأموات قبورا ذات طوابق..لا مكان للحياة ولا للموت في غزة.. وكما يبدو من معطيات هذا الحاضر الأليم، فان الامر قد درس بعناية حتى يرتقي إلى هذا المستوى، فذنب غزة أنها أرادت تكون حرة، أرادت تكسر قضبان سجنها، أرادت حقها في عيش الكرامة، ومن يطلب هذا في زمن الغيلان والعقارب الصفراء فليس له إلا المصير نفسه.

الاطباء الذين دخلوا إلى غزة بعد انتظار ومرارة «بوسوا» فيها الاقدام لكي يصلوا إلى جراح المطعونين بالغدر، وفيهم عدد مهم من الخبرات في مجال إصابات الحروب، هالهم ما رأوا واعترفوا أن خبراتهم العلمية تقزمت أمام إجرام الصهاينة في أجساد الاطفال والنساء..

واعترفوا أيضا بأن الجرحى المعالجين يموتون لظروف المستشفيات هناك، حيث لا مجال لعناية مركزة ولا مواد متوفرة لها والمستشفيات تجاوزت طاقاتها الاستيعابية والامر يسير من سيء إلى الاسوأ.

هذا الذي يحدث ما تأثيره على أبنائنا؟

هل فكر من فكر في مثل هذا السؤال؟ هذه المذبحة لن تأتي بسلام اوسلو ولن تأتي بشرق أوسط جديد، وأنما ستأتي بآلاف الباحثين عن ثأر، ثأر على الصهاينة لن تقوى عليه الايام ولا التهديدات، وثأر على اليأس والعجز ومن كرّسهما سجنا كبيرا يكبل الأيادي والارجل والعقول والقلوب وغصة الصدور، وثأر على الشرعيات الدولية المستباحة في شرفها!!

لا مكان للحياة في غزة، لا مكان للأموات.. وتكالب مستميت من قوى الشر وقوى الخديعة لكي يكون ايضا لا مكان لكرامة!! والتي صرخت بالامس ونادت تستنجد ربما اطلقت صوتها للمرة الاخيرة وسكتت للأبد.. لك الله يا أخت العرب!

mhalyan@albayan.ae