أجد الصفحات خجلى من مجرد التفكير في الكتابة عن موضوع آخر وغزة لا تزال تحترق، وما من أحد تحرك تحركا حقيقيا يجعل الأحداث الحالية مجرد ذكرى ماضية، وإن كانت بشعة ورهيبة.
تعبت منا الأرقام، وتعب منا الكلام، وتعبنا من كل ما يحدث حولنا، ولا نملك ? كما لم نملك يوما- حيلة ولا وسيلة سوى هذه الحروف الهزيلة التي لم نعد نعرف إن كانت ذات نتيجة أو أنها مجرد تفريغ شحنات غضب على ورق لا يغير من واقع الحال شيئا!
كل ما نفعله ونفكر فيه يقع خارج حدود اللحظة ذاتها. في الدقيقة الواحدة نفقد الكثير من الشهداء، من كانوا يشاركون أفراد أسرهم حياتهم بما فيها من أفراح وأتراح، ثم أصبحوا في لحظة جزءا من الماضي، ونحن نفكر فيما بعد الحرب، نتبرع بالدم، ونجمع الأموال لإعادة بناء ما سيخلفه العدوان من دمار على مستوى البنية التحتية والعمران وما إلى ذلك، ولكننا لا نفعل شيئا لإيقاف هذا العدوان المدمر كي نتجنب إعادة البناء التي ستكلف ما لا حاجة لصرفه من جهة.
ومن جهة أخرى أهم فإن هذا العدوان يطال الإنسان كما يطال الحجر والشجر، وإذا كان الحجر والشجر قابلين لإعادة البناء والزراعة فإن الإنسان غير قابل للعودة للحياة بعد أن يفارقها، والأطراف التي تُبتر لن تعود لأصحابها، والعيون التي يُطفأ فيها النور ظلما لن يتمكن صاحبها من أن يرى بهما مرة أخرى؛ فما فائدة الأموال والكلمات والاجتماعات والقمم وكل ما لا يُلزم «إسرائيل» على وقف عدوانها الغاشم على قطاع غزة!
التحركات الشعبية في مختلف مناطق العالم تساعد كثيرا في تخفيف الضغط النفسي الذي يجده كل من يملك قليلا من إحساس، ولا شك أن لها دورا كبيرا على المدى القريب أو البعيد، لكن على الرغم من ذلك فإننا نخسر في كل يوم عشرات، وأحيانا مئات الأرواح، بمجانية مرعبة، والوضع مستمر، ويزداد سوءا يوما إثر يوم.
هل نحتاج إلى أن يصل عدد الشهداء والجرحى سقف العشرة آلاف أو العشرين ألفا كيف يقف العرب ليقولوا كلمة واحدة حاسمة «لإسرائيل» كي توقف أنهار الدم الجارية في غزة؟ أو نحتاج إلى أن نرى المنازل وقد سُوِّيَت بالأرض على رؤوس سكانها كي نفعل شيئا؟
إذا كان هذا ما ننتظره فإنه قد حدث بالفعل لمن لا يعرف ذلك، أو لمن يتجاهله وهو يعرف به، لأن وسائل الإعلام الحديثة لا تترك شيئا مخفيا، وقد شاهدنا كثيرا من المنازل وقد سقطت على رؤوس أصحابها وهم نيام وأرواحهم معلقة بين السماء والأرض، ففضلت أن تصعد للسماء لأن الوضع سيكون هناك أفضل بالطبع منه على الأرض، وهكذا تزايد عدد الشهداء.
ونحن حتى الآن لم نبدأ إدراك حجم الكارثة، ولم نبدأ حتى اليوم التفكير في كيفية تغيير هذا الوضع.. أقول: لم «نبدأ» التفكير بعد، في حين إن غيرنا ?«إسرائيل»- يخطط وينفذ منذ عقود لكل ما يحدث الآن،.. في هذه الأيام،.. وفي هذه اللحظات التي أقوم فيها بطباعة هذه الحروف الخجلى.
قد تكون مشكلتنا الأساسية هي أننا لا نعرف ماذا نريد، وحين نعرف ?ربما بعد عقود طويلة- ما نريده سنكتشف أننا لا نعرف كيف نفعل ما نريد، وحين نعرف ذلك سنكتشف أننا لا نملك ما يساعدنا على أن نفعله، وحين سنملك ذلك سيكون كل شيء من حولنا قد تغير، وسنحتاج إلى أن نبدأ التفكير -من جديد- فيما نريده.. في ضوء المتغيرات التي حدثت خلال تلك الفترة، لندخل الدوامة ذاتها، ولندور في الحلقة المفرغة نفسها، ولنبقى كما نحن، لا نقدم ولا نؤخر، ولا نؤثر في شيء حولنا لا بقليل ولا كثير.
كل شيء يبدو باهتا الآن، خارطة العالم العربي التي اعتدنا منذ أن عرفناها أن نلاحظ حضور اللون الأحمر فيها بقوة أصبحت الآن تقطر دون لون، بعد أن فقدت الدماء أثرها في نفوسنا، ولم يعد اللون الأحمر يثيرنا كما كان يثيرنا من قبل.
أو كما كان يثير من كان يدركه ويدرك معناه قبل عشرين أو ثلاثين عاما. لقد تعايشنا مع اللون الأحمر وتصالحنا مع وجوده اليومي على شاشاتنا بعد مرور ستين عاما من جريان دماء الشهداء الأبرياء ثمنا مقدما لحق لم يصل بعد. الدماء لا تزال تجري، منذ ستين عاما، ولكننا أصبحنا نفقد إحساسنا بلونها الأحمر، ونراه بلون الماء، لسهولته و-للأسف- «لهوانه» على أهله.
هي «خطوات مكتوبة علينا»، كما يقول الشاعر، ومكتوبة على الشعب الفلسطيني بالذات، وعليه أن يمشيها حتى النهاية، متسلحا بالصبر والإيمان، حتى لو أفلت منه سؤال يبحث عن هذه النهاية، كيف تكون، ومتى ستكون، وهل ستكون هناك نهاية أساسا؟
أسئلة قد تمر بذهن أي منا وهو يشاهد المجازر التي تُرتَكب في غزة حاليا، لكنه السؤال الأزلي الذي يعيش في صدر كل فلسطيني يرزح تحت نير الاحتلال، ويعاني ثقل وجوده كابوسا لا يلوح الخلاص منه في أفق قريب أو بعيد في ضوء هذا الجمود العربي والعالمي الذي لا يبشر بفرج ولا نصر حتى في أكثر اللحظات تفاؤلا؛ فهل سيستمر الوضع على ما هو عليه طويلا؟ وكم جيل سيذهب، وكم جيل سيأتي ونحن ننتظر الوصول إلى النهاية، أم أننا ننتظر وصول النهاية لنا، وهذا هو الأرجح!
جامعة الإمارات