نحن نتحدث كثيرا وغيرنا يعمل، استهلكنا الكلام ونعيد اجترار الجمل ذاتها والمصطلحات وسياقات الخطب من خلف الميكروفونات هي ذاتها وكأن كل واحد منا يعيد مذاكرتها بعد غشها من الآخر.
.وهم يعملون، نصبح ابطالا في مناسبات الخطابة، ونحن ومنذ التاريخ أمة صوتية ولنا فيها أبطال ورموز، ولنا معلقات وأكوام من الورق المحبر ازرقت لها مياه دجلة، يوم كان هولاكو يعمل ويوم كنا نتلذذ باشعال فتائل الأحاديث والمؤتمرات على بعضنا البعض في ليالي الشتاء وليالي الصيف..
هم يعملون والوقت لديهم عمل والكلام عندهم عمل.. والسنتنا في النزال تصل بعرض سور الصين العظيم وطولها بطوله واحيانا تزيد.. غرامنا ومنتهى عشقنا أن تجمعنا ساحة «تلاسن»، نواجه بعضنا ونستل من اغماد اللغة بلاغة أجدادنا ونبدأ القتال..نحن في هذا لا تجارينا أمم.
وإذا كانت مذبحة غزة اليوم تشغلنا وتحسنا في جحيمها وهولها وفظاعتها، فان بعضنا تفرغ تفرغا تاما لمذبحة أخرى على هامشها، «ملاسنة» عربية، عربية ، يراها هذا البعض هي الاهم من 900 قتيل وجرحى بالآلاف قابلون للزيادة لا النقصان في كل لحظة. يقتلنا الكلام ويزلزلنا ومثلما ضيع كنوزا غالية من مقدرات امتنا وسرق منها حاضرها وأطفأ شعلة مستقبلها، ها هو اليوم يعود، بل لم يغب عنا لا في سلم ولا في حرب..
اليوم وعلى هامش مجرى الدم العربي المسفوح في غزة غدرا، يتطاحن الأشقاء والأحباب والأهل، كل ينشق اخيه بلسانه ويتمنى أن يرديه قتيلا.. وبينما مجلس الحرب الصهيوني المسخر الذي يدير احاديث عملية حول مدى نجاعة عدوانه وميدانه، ندير نحن خناجر السنتنا لصدور بعضنا البعض.
في الصحافة العربية اليوم وعبر شبكة الانترنت ومواقعها وعبر نوافذ الاعلام التلفزيوني يصدح الصداحون، «يفرقعوا» بالصوت حربا ضروسا في السب والشتم والتكفير والتجريد من الانسانية، الكل بريء من دم ابن يعقوب وكل مدان بالخيانة والمهادنة، ونفر آخر يتمثل الثعلب والعقارب الصفر.
سيل من المقالات، ومن الخطب تظهر فيها البلاغة العربية احرق من قنابل الفسفور الصهيونية في ساحات النزال..لم يفكر هؤلاء كيف ينشئون حديث فكر متوازنا وعقلانيا يرفض ذاته ويذهب باحثا عن الحقائق في حياد تام، لماذا يجري هذا؟ ولماذا جرى؟
ولماذا لا نمتلك القدرة على إزاحة الأذى عنا وعن أطفالنا ونسائنا وأوطاننا وشعوبنا؟ لماذا نحن فرق متنافرة؟ لماذا لا تجمعنا الثوابت العليا، ولماذا لا توحد إراداتنا وعزائمنا؟ لماذا نحن الحائط الاوطى؟ ولماذا حاجتنا عند غيرنا؟
اليوم تذبح الصهيونية الأطفال والنساء العرب في بيوتهم، تبيدهم، تروعهم لكي يقدموا لها الكثير من الخضوع والكثير من الطاعة.. ونحن نطعن بعضنا البعض بأسنة الكلام ورماحه لكي نقدم لبعضنا البعض الكثير من الخضوع والكثير من الطاعة!! فما الفرق؟
