لن تقتصر تداعيات ونتائج العملية الإسرائيلية الوحشية على سكان قطاع غزة على الجانب الفلسطيني فقط، وإنما سوف تمتد آثارها إلى منطقة الشرق الأوسط بكاملها. بل يمكن القول أنها تمثل بذرة لنظام إقليمي جديد يتشكل، يبدو أن هناك أطرافاً تضغط من اجل أن يكون أمراً واقعاً على الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما أن يتعامل معه أو أن يسعى إلى ترسيخه وتثبيته. في الوقت الذي تسعى فيه قوى إقليمية أخرى إلى البحث عن دور في مستقبل المنطقة، وبالتالي فان النظام الذي سوف يتشكل سيكون محصلة الصراع بين الفريقين.

وأولى ملامح هذا النظام الإقليمي الجديد هو الدور المركزي الذي سوف تقوم به تركيا في تفاعلات المنطقة، وتركيا استطاعت أن تكون محورا للاتصالات الإقليمية في الأيام الأولى للهجوم الإسرائيلي، فضلا عن ذلك فان الموقف المتشدد الذي اتخذه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إسرائيل.

والذي وصل إلى حد رفض التحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، أعطى للدور التركي شرعية لدى الجماهير العربية الأمر الذي يسهل إلى حد كبير من ترسيخ هذا الدور، وهو ما يعنى أن هذا الدور أصبح مقبولا عربيا وإسرائيليا وتصبح العقبة الوحيدة أمامه هي فقط إيران وبعض القوى العربية الحليفة لها وأيضا تلك التي لا تزال ترى أن النظام الإقليمي العربي يمكن تفعيله وأحياؤه.

وبالطبع فان الإدارة الأميركية الجديدة يمكن أن تدعم هذا الدور من زاوية سعيها إلى تأسيس نظام شرق أوسطى على أنقاض النظام الإقليمي العربي، والى أنها تريد توسيع دور تركيا من أجل وقف تمدد الدور الإيراني، والى أنها يمكن أن ترى أن الإسلام التركي المعتدل هو الذي يستطيع أن يحاصر الإسلام المتطرف الذي تمثله القاعدة المعادية للولايات المتحدة.

وثاني نتائج تداعيات هذه العملية الإسرائيلية الوحشية ضد سكان غزة، أنها سوف تجبر الأطراف الدولية والإقليمية على إحياء التسوية العربية الإسرائيلية عبر المسار الفلسطيني الإسرائيلي، وليس عبر المسار السوري الإسرائيلي الذي كانت كافة التكهنات ترى أنه سوف يكون هو المسار الذي سوف تهتم به الإدارة الأميركية الجديدة.

ولكن بالطبع فان الاهتمام الأميركي سوف يكون من خلال إعطاء دور في التفاوض للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وليس من خلال إعطاء دور لحماس التي سيكون دورها فقط من خلال دول عربية سوف تسعى إلى ترسيخ المصالحة الفلسطينية وبدء الحوار بين فتح وحماس.

ومن بين النتائج المتوقعة أيضاً حدوث انشقاقات داخل حركة فتح خاصة من بين التيار المتشدد الذي مازال يؤمن بخيار المقاومة، والذي يمكن أن يوجه انتقادات حادة لقيادة الحركة لان دعمها لسكان غزة لم يكن على المستوى المطلوب، وهو ما يعني أن حركة فتح يمكن تواجه بخطر التراجع في المرحلة المقبلة ما لم تقم قيادتها بإعطاء دور للتيار المتشدد بها، يستطيع من خلالها إعادة شعبية الحركة لدى قطاعات فلسطينية متعددة بدأت تنفض عنها بسبب مواقفها التي ترى أنها متخاذلة.

ومن النتائج الأخرى المتوقعة لأحداث غزة أنها سوف تعطى للتيار الأصولي الإسلامي دورا أوسع في الفضاء السياسي العربي، وقد بدأ هذا الأمر بعد حرب إسرائيل على لبنان عام 2006، وهو الأمر الذي يعنى بالتبعية أن بعض الأنظمة العربية يمكن أن تبدأ حملة تطويق لهذا التيار.

تطورات الأيام الأولى للعملية الوحشية الإسرائيلية، والتحركات الشعبية التي نظمتها جماعات إسلامية أوجدت تنسيقا وتفاهما بين هذه الجماعات من جهة وتيارات قومية ويسارية تحركت احتجاجا على أحداث غزة وهو ما يعني أن الأحداث فتحت الطريق أمام دمج الجماعات الإسلامية في العملية السياسية.

وبالتالي يمكن أن توسع من هامش تحركاتها السياسية. بل نستطيع أن نمدد هذا الاحتمال على استقامته لنتوقع أن تتشكل في بعض الدول العربية جبهات تضم الإسلاميين والقوميين وبعض فصائل اليسار، تضغط على حكوماتها من اجل اتخاذ سياسات محددة تجاه المسألة الفلسطينية، ويمكن أن تتطور مطالبها إلى قضايا أخرى في المستقبل.

ومن الملامح المتوقعة أيضاً أن الأنظمة العربية سوف تتشدد في مواجهة الداخل، أي أن جهود الإصلاح المتوقعة سوف تتراجع، ويحل محلها قبضة حديدية من الحكومات والأنظمة، في مواجهة أية مبادرات مجتمعية.

وهناك سببان لهذا الاحتمال الأول أن الإدارة الأميركية الجديدة لن تضغط عليها من أجل تحقيق الإصلاحات، والثاني أن الأنظمة سوف تتشدد أكثر في مواجهة مجتمعاتها لأن بعضها سوف يخشى أن تتحول التظاهرات المتضامنة مع سكان غزة إلى فعاليات مضادة للحكومات، فضلا عن أن بعض الحكومات تعتقد أن هناك أيدي خارجية تقف وراء الأنشطة المتضامنة مع سكان غزة، الأمر الذي يمكن أن يمتد إلى مواجهة جماعات داخلية بحجة تبعيتها لقوى خارجية.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com