مطعونون بالألم والحزن والعجز والانتكاس نواصل متابعة فصول المذبحة وننتظر نهاية الجحيم الذي يصهر الجلود والعظام بالفسفور الأبيض.. نفتح آذاننا ونمطها لتلتقط ما في الجهات لعل خبرا يأتي ويعلن موت عدد من الأموات وعدد من الجرحى.. هذا العداد اللعين الذي فقأ فينا عين البصر والبصيرة..
متى تنتهي فصول المذبحة؟
جنرالاتهم يتحدثون عن المراحل، أولى وثانية وثالثة ورابعة ومشهد نهائي يعيد الهيبة للأيدي الملطخة بدماء المدنيين. النذر تشي بعمل إجرامي كبير قادم يفوق كل الإجرام الذي غمس الصهاينة أيديهم فيه، وهذا أمر ليس بمستغرب ولا بعيد عنهم، فهم اشتهروا بالمجازر ولعق الدماء..
فالأمر ليس هذا الذي نراه ويرعبنا فقط، لن يكتفوا بهذا كله برغم حجمه ووحشيته.. فخارطة الموت في حساباتهم أوسع، وأجندتها أطول وهي ليست إلا مفصلاً من مفاصل المخطط الكبير المشغول في مشاغل بني صهيون في أميركا.. المخطط الحلم في المنطقة كما سمّوه، فيه الآني وفيه المرحلي وفيه المقبل والقادم.
جنرالات جيش الصهاينة، والوقت الذي يبحثون عنه لإتمام عمليتهم قد حصلوا عليه بختم الإرادة الدولية وشرعيتها..كلمات مفتوحة ومستباحة على ورقه تطير عبر الفاكس إلى كل شبر في الأرض، كلمات لا يد لها لكي تسكت الموت، كلمات خديعة. كلمات مطاطية، خرقاء مجوفة، صك غفران من الذنوب السابقة والقادمة ممهور بخاتم مجلس الأمن والشرعية الدولية!، تصريح علني بالبدء في الفصل النهائي من المأساة.
أمام هذا لا مكان للجدل، لا مكان للخلاف، لا مكان للفرقة، لا مكان للذاتي والأناني والفردي، لا مكان للتشفي ولا التلظي.
بالأمس اشتعل البيت الفلسطيني الموشى بالدم والدمار والقهر والموت بالكلام النافر عن واقعه وواقعيته! اشتعل بالكلام المتضاد، المتقاتل، وكأنه استعداد للمشهد الأخير.. موت هاطل من السماء وسم يقطر من الشفاه والأفواه!
أما نحن الذين تقتلنا الدقائق وتطعننا بمزيد من الحزن ما زلنا منتصرين و ملتصقين بالضحايا، ملتصقون مع الحزانى والمرعوبين، بالذين تيتموا والذين تشردوا بلا بيوت، والذين بقوا وحيدين بلا أولاد ولا أسرة ولا شيء في الحياة، ملتصقون بهؤلاء الذين تتجاذبهم الجهات إلى مستويات مختلفة من الجحيم..
نحن مع تلك العيون التي تاه بصرها في الدمار من حولها، مع ذلك الأب المطعون بفقد أبنائه وبناته، مع تلك الأم التي لم تستفق بعد من صدمة ابنها المفقود، مع الأطفال الرضع الذين نهشت أجسادهم الطرية شظايا الموت..مع كل هؤلاء الذين لا حول لهم ولا قوة.
النهاية لن تكون باردة ولا هادئة..هؤلاء مسخ وليسوا بشرا وما يتوقع منهم في سيرة الإجرام لا يطاله خيال.. والكلام الذي نطعن به بعضنا البعض لا يرحم الضحايا ولا يعزز النصر ولا يدعم النضال، بل يهز الصلابة والتماسك، ويهدي الرحمة ويطلق العنان للمجرم القاتل المستبد!
