بين بيوت غزة سيرة الموت تبعث على الرحمة للذين باغتتهم وخطفتهم من الحياة في لمح البصر، أما الذين قضت معهم الليل كله فقد كان مهرجانها خرافياً وخارج الخيال. طفل وسط ركام الضحايا والحصى ورائحة البارود والأجساد التي تتلوى محروقة ومطعونة بالشظايا، حدقتان تشقان جلد الوجه اتساعا رعباَ وهلعاً، فهذه الطفولة المنذورة لسفوح البرتقال والزيتون والأزهار المقدسة تقتل ببطء وتلذذ.. جريمة حرب أمام التاريخ وأمام الإنسانية وأمام المدافعين عن حقوق الإنسان. «اذا فيكم رحمة فارحموني».
في فصل المجزرة والإبادة المدفوعة بالحقد الصهيوني.. جمعوا في ليل دامس أطفالاً ونساء وعجائز ورجالاً، حبسوهم بين الجدران ووقفوا خلفها ينتظرون تدفق الدم من بين الغبار، يشبعون وحشهم المسخ، فجروا المنزل بكامله وتركوهم يسبحون في برك الدم وأكوام الأشلاء.. أطفال شقت وجوههم حدقات عيونهم وانطفأت أصواتهم من هول ما حدث.. «إذا فيكم رحمة فارحموني»، جملة بقت على شفاه طفل خسر الحياة والبكاء كله..حبسوهم ونسفوا أجسادهم.. ثلاثة أيام توسد فيه هؤلاء الأطفال جثث وأشلاء آبائهم وأمهاتهم انتظاراً لفرج الله.
من فوق المنابر يسجل العرب انتصارهم الدبلوماسي! وفي أتون الموت تنكشف الأقنعة وتنسلخ على حقائقها كما تتفسخ وتنسلخ جلود الضحايا الأبرياء.. «إذا فيكم رحمة فارحموني»! كلمات جفت على الشفاه الصغيرة واختنقت.
في الشوارع العربية أناس يؤدون واجب الاحتجاج والاعتصام، مرتبون مهندمون تلمع ملابسهم بالزينة، طابور أكثر انتظاما من طوابير العسكر، ومن شذ عن خط السير تنهال عليه الهراوات ويخنق بالغازات.. بالروح بالدم نفديك يا غزة!! وانتهى الواجب القومي! والطفل يختنق «إذا فيكم رحمة فارحموني».
ما بعد قرار مجلس الأمن الذي «شحته» العرب «شحاتة»، المجزرة تستمر، الموت يستمر، سقوط الأطفال وقهر الرجال يستمر، ووفود تسافر في الجهات تكمل باقي الصفقة، ففاتورة المجزرة لابد وان تسدد في النهاية، لابد من دفع قيمة الصواريخ وقذائف المدافع وأجرة القتلة ومن شارك ومن ساند ومن ناور ومن خادع ومن بكى ومن استبكى، ولابد من دفع قيمة تذاكر الطيران وحسابات الفنادق وقيمة الضمادات ومطهرات الجروح، ففي النهاية لابد من مشهد ختامي يبدو فيه المسخ بشراً أو ملاكاً !.. والطفل ما زال يقاوم «إذا فيكم رحمة فارحموني»!
