تعيد الحرب الحالية التي يشنها العدو الغاصب على قطاع غزة الأمور إلى مربعها الأول: فإسرائيل يبدو أن لا نية لها أبداً مع السلام وأنها لن تتوانى عن استخدام الحروب كوسيلة رئيسية لها في تبرير وجودها على الأرض، فالمذابح والمجازر أصبحت هي العنوان العريض والخيار الأوحد أمام كل قيادة سياسية إسرائيلية بحاجة إلى حصاد الأوسمة أو حجز مقعد نيابي أو حكومي وهي في الواقع تستمد هذه الصورة الوحشية من الأيام الأولى لقيام دولتهم المغتصبة حيث قامت على مبدأ استعمال القوة العنيفة والحروب الوحشية ومحاولة تكريس صورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فإنها فشلت إلى حد الآن في أن تصل إلى حل يرضي الشعب الفلسطيني خاصة بعد أن تطورت الأمور في الفترة الأخيرة ووقع الطلاق الفاضح بين الضفة وغزة، وعليه فخيار المقاومة هو الخيار الأوحد المطروح في الفترة الراهنة. التغيير الذي حدث في قيادة الصراع العربي الإسرائيلي أن الدول العربية كانت في السابق هي الطرف الأساسي في حرب إسرائيل، حرب 1948 وحرب 67 وحرب 73 والأنظمة العربية الأساسية كانت مصر وسوريا والأردن ولكن فيما بعد تغيرت أطراف الصراع بعد أن تسلمت راية الكفاح الحركات الثورية والقومية واليسارية والآن الإسلامية.

ولا يمكن لأحد منا أن ينسى خطاب عرفات من على منبر الأمم المتحدة عام 1974 عندما قال جئت حاملاً غصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى.. فلا تقطعوا غصن الزيتون من يدي، ولكن يبدو أن إسرائيل قد اختارت قطع غصن الزيتون وأنه لا مكان لسلام عند متشرد يبحث له عن مكان يؤويه.

قدمت حركة التحرير سجلاً طويلاً من النضال المشرف ضد العدو الصهيوني بعد أن رفض العدو دعوة السلام، وصولاً إلى مرحلة كفاحها السياسي الراهن، ولكن الانقسامات الداخلية الأخيرة بين الأطراف الفلسطينية أدخلت القضية في دهاليز معقدة كانت السبب الرئيسي فيما آلت عليه الأوضاع اليوم، ويبدو أن الخلاف تمحور حول ثلاث قضايا رئيسية وهي: قضية البرامج وهذا موضوع وطني يتعلق بالمصالح والأهداف الفلسطينية، فأطراف فلسطينية كانت تصر على مبدأ المقاومة وإنه هو الطريق الوحيد لتحقيق تنازل أو انسحاب إسرائيلي كما حصل في لبنان عام 2000 وفي غزة عام 2005 وفي لبنان 2006.

أما الفريق الفلسطيني الآخر والذي يأتي على رأسه منظمة فتح فترى أن التفاوض هو السبيل الاستراتيجي لتحقيق الأهداف، كما يرى هذا الفريق أن المقاومة استنفدت أهدافها وأن لا داعي لها فالخيار الفلسطيني الوحيد المطروح من وجهة نظر هذا الطرف هو الخط التفاوضي، القضية الأخرى كانت قضية الخلاف على القيادة وكان السؤال المطروح من يقود ومن يستحق القيادة؟ ففتح احتكرت القيادة لمدة 30 عاماً ولكن عندما جاءت انتخابات 2006 غلبت موازين القوى الداخلية بعد أن استطاعت حماس أن تفوز بالحكومة بعد تحالفها مع الفصائل اليسارية والقومية واستطاعت أن تشكل قوة لها وزن وبدأت بسحب البساط من تحت أرجل فتح.

أما القضية الأخرى كانت قضية الاستقطاب ففتح بخطها التفاوضي الذي رأته مناسباً استطاعت أن تستقطب معظم الدول العربية وخاصة من يطلق عليها الدول المعتدلة في حين الطرف الآخر حاول أن يستقطب أطرافا إقليمية مما قلب المعادلة الفلسطينية رأساً على عقب فبدلاً من التركيز على فلسطين كقضية وكبلد محتل أصبحت هناك أجندة أخرى تتخذ من فلسطين وسيلة لتصفية حسابات عربية وأخرى إقليمية.

لقد أثبتت إسرائيل بحربها الوحشية على قطاع غزة أن الأمور عادت إلى المربع الأول مربع الصراع على فلسطين، فإسرائيل أثبتت لكل دعاة الحوار والسلام والتفاوض ولفتح بالدرجة الأولى بأنها دولة غير مؤهلة إلى ذلك وإنها مصرة على البقاء كمحتل مستعمر غاشم يستخدم آليته العسكرية الوحشية في ضمان استمرار بقائه فلا عزاء لسوريا اليوم عندما ذهبت مباحثاتها الأولية مع إسرائيل في مهب الرياح ولا عزاء للعرب في خذل المجتمع الدولي لهم وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية راعية السلام على حد قولهم في تنصلها من طلب النجدة وإيقاف الحرب القذرة التي تشنها إسرائيل على عزل غزة الذين لا حول لهم ولا قوة.

شكراً لإسرائيل لأنها أيقظت في نفوس الأمة العربية والإسلامية أهمية المقاومة وأنه لا سلام مع عدوٍ مغتصب. وألف تحية لكل طرف يقول للاحتلال الغاشم لا وبأعلى صوته، وتحية خاصة لأطفال غزة الذي يحاول الاحتلال الغاشم طمس هويتهم ولكن هيهات له ما يتمنى

وقد صدق نزار قباني في ثلاثيته الرائعة عندما قال في وصفهم: يا تلاميذ غزة، علمونا ما عندكم، فنحن نسينا، بأن نكون رجالاً، فلدينا الرجال، صاروا عجيناً، علمونا كيف الحجارة تغدو، بين أيدي الأطفال ماساً ثميناً.. قد صغرنا أمامكم ألف قرن، وكبرتم خلال شهر قرونا، يا تلاميذ غزة لا تعودوا لكتاباتنا ولا تقرؤونا، نحن آباؤكم فلا تشبهونا، نحن أصنامكم فلا تعبدونا، حررونا من عقدة الخوف فينا، واطردوا من رؤوسنا الأفيونا، علمونا فن التشبث بالأرض ولا تتركوا المسيح حزيناً..

يا أحباءنا الصغار سلاما، جعل الله يومكم ياسمينا، من شقوق الأرض الخراب، طلعتم، وزرعتم جراحنا نسرينا، هذه ثورة الدفاتر والحبر، فكونوا على الشفاه لحونا، أمطرونا بطولة وشموخا.. واغسلونا من قبحنا، اغسلونا».

كاتبة إماراتية

f_mansouri78@hotmail.com