الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة دخلت أسبوعها الثالث، بدون أن تظهر مؤشرات المدى الزمني أو العملياتي الذي تحتاجه قبل التوقف. في هذه الحرب غير المسبوقة، مهدت حكومة أولمرت الظروف المناسبة لتحقيق جملة من الأهداف.
فلقد أخضعت قطاع غزة إلى حصار مشدد للغاية، وأدخلت سكانه دائرة الكارثة الإنسانية الشاملة، بهدف إضعاف قدرة الناس على الصمود وربما لدفعهم باتجاه التمرد على حركة حماس التي تسيطر على القطاع وتديره.
بأعلى المستوى الدولي جردت إسرائيل حملة علاقات عامة واسعة، استهدفت جمع التأييد على ما تنوي القيام به، أو على الأقل أن تحصل على تفهم لما ستقوم به. وقد ظهرت عملياً نتائج تلك الحملة، حيث حصلت إسرائيل على الضوء الأخضر من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للقيام بحربها، فيما اتخذت هذه الأطراف الدولية مواقف تندد بحركة حماس وتحملها مسؤولية انهيار التهدئة، وفي الوقت ذاته، عبرت عن دعمها للحرب الإسرائيلية التي تتخذ من وجهة نظر تلك الأطراف طابعاً دفاعياً.
وفي الواقع استثمرت إسرائيل أيما استثمار الظروف الفلسطينية والعربية والدولية لصالحها، فالفلسطينيون منقسمون على ذاتهم، والعرب مختلفون ومنقسمون استناداً لمحاور الاعتدال والممانعة، وعلى الموضوع الفلسطيني وكامتداد له. أما على المستوى الدولي فإن إسرائيل استبقت دخول أوباما الديمقراطي للبيت الأبيض، وتظللت بسياسة الرئيس جورج بوش التي عرفت بتطرفها وميلها للحروب.
على الصعيد الإسرائيلي الداخلي، كان واضحاً الميل العام للمجتمع نحو التطرف، الأمر الذي منح الليكود وأحزاب اليمين الأفضلية في الانتخابات العامة التي ستجري في إسرائيل خلال الشهر المقبل، فيما أظهرت استطلاعات الرأي تراجع مكانة أحزاب الائتلاف الحاكم خصوصاً حزبي العمل وكاديما.
في ضوء ذلك وبعد تردد، وخلافاً بين أطراف الائتلاف الحكومي، كان لابد من استغلال الدم الفلسطيني وإدخاله ساحة المزايدات الانتخابية، وقد لاحظنا أيضاً من خلال استطلاعات الرأي التي جرت بعد يومين من الحرب على قطاع غزة، أن حزبي كاديما وحزب العمل حققا تقدماً قياساً بالاستطلاعات السابقة.
وربما لهذا السبب جاءت الحرب على قطاع غزة، لتنطوي على وحشية مرعبة، بالقدر الذي يترك لدى الناخب الإسرائيلي انطباعات قوية جداً، تبدد نظرته لما عرف من اعتدال بالنسبة لأحزاب الائتلاف الحكومي وتقدمها على أنها أكثر تطرفاً من اليمين وبالتالي فإنها تستحق التأييد.
بعد حوالي عشرة أيام من الحرب بلورت إسرائيل الرسمية أهدافها من تلك الحرب وشروطها للقبول بأية مبادرة لوقف إطلاق النار، خصوصاً وقد بدأت تتحرك آلة العمل السياسي والدبلوماسي سواء على المستوى الإقليمي، حيث الدور التركي والدور المصري، أو على الصعيد الدولي حيث الدور الفرنسي ودور الترويكا الأوروبية.
وإذا كانت التحركات الدبلوماسية قد تأخرت كثيراً، فإن سبب ذلك يعود إلى أن المجتمع الدولي يريد أن يمنح إسرائيل الوقت الكافي الذي تريده لإنجاز أهدافها. إسرائيل من ناحيتها تتحدث عن وقف دائم ونهائي لإطلاق الصواريخ من قطاع غزة، وكذلك الحال بالنسبة لأشكال ووسائل المقاومة منه مع استمرارها في التحكم بكافة المعابر التي تربط القطاع مع العالم الخارجي، وأيضاً وقف عمليات تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية، أي أنها تريد استسلاماً كاملاً من قبل حركة حماس والفصائل الفلسطينية مقابل وقف إطلاق النار.
وفي المقابل ترفض المقاومة الفلسطينية مثل هذه الشروط وتبدي تمسكاً بمواقفها إزاء فتح المعابر، ورفع الحصار كشرط لوقف إطلاق النار. أما السيناريوهات المتوقعة فهي على النحو التالي:
تواصل إسرائيل حربها البرية، التي تترافق مع استمرار القصف الجوي والبحري والمدفعي، لكي تخلق ثلاث وقائع صعبة. الأولى، احتلال شريط حدودي واسع يصل إلى تخوم المناطق الفلسطينية كثيفة السكان، وقد تتوغل أكثر من ذلك قليلاً بدون أن تضطر لاجتياح القطاع بالكامل وإعادة احتلاله. بهذا تؤسس إسرائيل على الأرض واقعاً يفرض على مجلس الأمن اتخاذ قرار يوازي إنجازها، وهي تفضل إرسال قوات دولية قتالية فاعلة لتحل مكانها، وتكون قادرة على ضمان أمن إسرائيل، وضمان تنفيذ شروطها الأخرى.
الثانية: مواصلة الحصار المشدد على القطاع، بحيث تخلق وضعاً إنسانياً وحياتياً صعباً جداً، يقوض الروح المعنوية للناس والمقاتلين، ويشكل ضغطاً قوياً على المسؤول السياسي.
الثالثة: تكبيد الفلسطينيين خسائر جسيمة في الأرواح، يشمل ذلك المدنيين وكذا المقاتلين بما يثقل الأعباء أو المسؤوليات على صاحب القرار السياسي، الذي تحاول إرباكه عبر هجرة داخلية قسرية، تنفذها إسرائيل في المناطق التي تصل إليها قواتها، وحيث وصل عدد هؤلاء إلى نحو عشرين ألفاً من شمال قطاع غزة، يقيمون في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الموجودة في مدينة غزة، فضلاً عن عشرات الآلاف من المواطنين الذين خرجوا قسرياً من منازلهم الواقعة قرب الحدود المصرية في رفح.
في الواقع فإن حكومة إسرائيل الحالية، المسئولة عن فشل حربها على لبنان في يوليو عام 2006، لا يمكنها أن تتحمل نتائج فشل حربها الجديدة على قطاع غزة. وإذا كانت هذه الحرب أشبه بمغامرة حاسمة للحكومة الإسرائيلية من حيث إما النهوض والفوز في الانتخابات المقبلة، وإما السقوط الذريع لأحزابها وزعمائها، فإنها أيضاً حاسمة بالنسبة لحركة حماس التي يرتبط دورها وقوتها ومكانتها بنتائج الحرب.
وفي ضوء صعوبة تحقيق مساومة متوازنة، تحقق لأطرافها قدراً من الانتصار، فإن إسرائيل التي تواجه مقاومة ضارية وباسلة، لا تبدو في عجلة من أمرها طالما يتوفر لديها الغطاء الدولي، ولذلك فإنها تتحرك ببطء ولكن بقوة في الميدان تحسباً لوقوع خسائر بشرية كبيرة تحول انتصارها المأمول إلى فشل ذريع، خاصة وأنها لم تعهد مثل هذه المقاومة من حيث التدريب والتجهيز والتسليح والتنظيم والبسالة في التصدي.
كاتب فلسطيني
