عبر الملك الأردني عبد الله الثاني عن تخوفه مما سيكون بعد غزة، وقال إن هناك مؤامرة تحاك ينبغي الانتباه إليها دون أن يفصح عن مضمون هذه المؤامرة، إلا أن عدنان أبو عودة وزير الخارجية الأردني السابق.

أشار في اليوم نفسه في مقابلة مع إحدى القنوات الفضائية إلى أن هذه المؤامرة تقضي بضم غزة إلى مصر وضم الضفة الغربية (أو ما تبقى منها خارج المستوطنات الالتفافية) إلى الأردن، وتنتهي بذلك كل الاحتمالات في إقامة دولة فلسطينية، ولن تبقى حقوق فلسطينية يطالب بها أحد بما في ذلك حق العودة، ومن يرد أن يعود فليعد إلى جمهورية مصر أو المملكة الأردنية باعتبارهما سيتقاسمان التركة الفلسطينية المتبقية بعد الاحتلال.

واستشهد أبو عودة بما كتبه في جريدة واشنطن بوست جون بولتون مندوب الولايات المتحدة السابق لدى الأمم المتحدة وأحد أعتى المتطرفين والمحافظين الجدد حيث قال إن الحل هو القبول بثلاث دول شرق المتوسط هي إسرائيل ومصر والأردن مشيراً إلى ضم غزة لمصر والضفة للأردن، وليس دولتين هما إسرائيل وفلسطين.

إن هذا المخطط أو المشروع أو المؤامرة كما سماه الملك عبد الله الثاني هو ليس مشروعاً جديداً بل تتداوله بعض الأوساط منذ أكثر من سنتين وبعيد نجاح حماس في الانتخابات وتشكيلها (حكومة فلسطينية) وكانت أوساط الحكومة الأردنية تتابع بحذر شديد وجدية كبيرة الظروف التي تخلقها إسرائيل والولايات المتحدة والتي من شأنها تسهيل تنفيذ هذا المخطط.

ومن المفهوم خوف الملك عبد الله وحكومته وأوساطه من هذا المسعى خاصة وأن (60%) من سكان المملكة الأردنية الحاليين هم من أصل فلسطيني، وإذا تم ضم الضفة الغربية للأردن فسيصبح الفلسطينيون أكثرية ساحقة فيه، ويختل التوازن بين الأردنيين والفلسطينيين.

وبذل الملك عبد الله الثاني وحكومته جهوداً كبيرة لإفشال هذا المخطط في مهده، وأجرى اتصالات ومحادثات سرية وعلنية مع عديد من الحكومات العربية الأخرى ومع منظمات فلسطينية وأوساط دولية بهدف التنبيه إلى مثل هذا المخطط وأخطاره على استقرار الأردن بل واستقرار المنطقة.

هناك دلالات واضحة على أن الحكومة الإسرائيلية بدأت محاولاتها لتنفيذ هذه المؤامرة كما سماها الملك عبد الله الثاني، منها أن هذه الحكومة لم تبين حتى الآن أهدافها الحقيقية من عدوانها على غزة، فتارة يعلن الناطقون باسمها أن الهدف هو إضعاف منظمة حماس والقضاء على بنيتها التحتية، وطوراً يقولون إن الهدف من العدوان هو تدمير القواعد التي تطلق منها الصواريخ وتهدد أمن مواطني إسرائيل.

ويشير بعض الإعلام الإسرائيلي إلى أن هذا العدوان يشكل رداً على رفض منظمة حماس تجديد اتفاقية التهدئة، وسمعنا منذ بدء العدوان حتى الآن تصريحات غير متطابقة عن الأهداف، وما دام الأمر كذلك فمن البديهي الاعتقاد أن القيادة الإسرائيلية تحاول التمويه على أهدافها الحقيقية من عدوانها.

ومن الدلالات أيضاً أن وحشية العدوان وهمجيته لا تتناسب مع مثل هذه الأهداف ولاشك أنها تسعى لخلق واقع سياسي جديد من شأنه إما أن يبرر إمكانية إلقاء تبعة غزة وسكانها وصعوباتها على مصر، أو خلق الظروف الملائمة التي تعمق الفصل بين الضفة وغزة وتقضي على احتمالات أية وحدة فلسطينية أو حتى حوار بين القيادات الفلسطينية وتتبعثر القضية الفلسطينية وتنتهي كقضية وطنية أو سياسية وتتحول إلى قضية إنسانية فقط، وليتدبر بعدها العرب والعالم أمر اللاجئين الفلسطينيين ولن يبقى حق العودة مسؤولية إسرائيلية.

مع وجود مثل هذا المخطط (المؤامرة) فإن إسرائيل ربما سترفض أية مبادرة سواء جاءت من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أم من مجلس الأمن أم من أية جهة كانت أو على الأقل ستماطل في تطبيقها، فهدفها لا يسعى إلى التهدئة المزعومة ولا إلى تفادي تهديد صواريخ حماس لأمن مواطني إسرائيل، بل ينبغي وضعه في إطار الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى التي تهدف إلى إلغاء الكيان الفلسطيني حتى لو كان حكماً ذاتياً ضماناً للقادم من الظروف والتطورات الإقليمية والدولية، خاصة مع وجود خلل ديموغرافي داخل إسرائيل، وخطر داهم بوجود دولة فلسطينية إلى جانبها،

ولعل السياسة الإسرائيلية استغلت الظروف الإقليمية والدولية القائمة لتضرب ضربتها، وخاصة ما يشبه فراغ السلطة في الولايات المتحدة، والخلافات بين الدول العربية التي بلغت أوجها، والتناقضات الإقليمية وشدتها، وتوجه المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين وانتعاش التطرف والعدوانية داخل هذا المجتمع. القضية إذن ليست الصواريخ ولا رفض تجديد اتفاقية التهدئة،

فإسرائيل هي أول من خرق هذه الاتفاقية برفضها فتح المعابر وحصار غزة والتشديد عليها وهي تعلم قبل غيرها أن الصواريخ جاءت رداً على خرقها للاتفاقية وتطبيق بنودها انتقائياً مما ألغاها عملياً قبل شهور ، وربما سنرى في الأيام القادمة أن إسرائيل ترفض أي حل لمحنة غزة حتى لو وافقت حماس على إيقاف إطلاق الصواريخ،

ولن تقبل لا فتح المعابر ولا فك الحصار فأهدافها أبعد من ذلك إنها أهداف استراتيجية وسياسية تتعلق بمستقبل فلسطين وإسرائيل. رغم العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة، والمحنة التي يعيشها القطاع وانعدام أسباب الحياة فيه، وتدمير البنى التحتية لمدنه وبلداته وقراه، فيبدو أن المقبل أعظم وأن الخطر يتهدد القضية الفلسطينية برمتها.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org