يقال بالصوت المرتفع مطلوب وقف المجازر الإسرائيلية في غزة، يقال بالصوت العريض مطلوب وقف إطلاق النار فوراً، ومن ثم البحث في باقي العقد، ولكن لا أذن تسمع ولا عين ترى البشاعة التي يتعرض لها الناس هناك، فدبلوماسية الدبلوماسيين في إيقاعها تنتمي لجيل الزواحف البطيئة من الحيوانات البرية والبحرية والجبلية والسهلية.
والدبلوماسيون لا يتحركون في ميدان المعارك ولا في خيمة بقربها، لقد ولى الزمان الذي يقف فيه الساسة الحقيقيون على مقربة من جبهات القتال ليقيسوا الأوضاع ويختبروا ما هم بصدد الفصل فيه، أما اليوم فان القاعات الرخامية والفنادق السبع نجوم وقباب المجالس المكيفة والمهيأة هي التي تحتضنهم..فالذي يجلس على أريكة مريحة ليفاصل ويتباحث ويغرق في عمى الجدل لا يمكن ان يكون إيقاعه بنفس إيقاع وسرعة خفقان القلوب تحت سماء النار والصواريخ والموت الهاطل كالمطر.
يقال بالصوت العالي أوقفوا هذا التقتيل المدجج بالحقد أو صدوه أو ردوه إلى جحره، أو افعلوا أي شيء يقصم ظهره أو يعطله حتى يتوقف مطر الموت ويتسنى لقلوب الأطفال الفرار من الموت ورعب الموت، ولكن هي الثواني والدقائق والساعات تمر في أشد حركتها بطئاً، والساسة من فوق المنابر يتبارون بالعربي والأجنبي الفصيح في الخطابات والخطب، وكأنه سوق «كلام» الكل يبسط بضاعته ويسوق لها، والوقت ليس لهذا التفصيل، ولا لهذا الجدل ولا لبيع الكلام ولا حتى لفتح فم.
المخالب التي تغرس في أجساد أطفال غزة لتنتزع أرواحهم فتفيض إلى بارئها لا تفتح فمها الا بالقليل، وهذا القليل ليس فيه الا وعيداً بالمزيد من الكراهية ومزيد من الموت.. لا وقت لهذه التفاصيل ولا وقت لهذا الجدال وهذا الاستعراض.. هناك مجرم يعتدي ويقتل وهناك مئات الآلاف ينتظرون من يرفع هذا الاعتداء عنهم أو يصده، والذي يناشد ويقول بوقف إطلاق النار، ليس عليه إلا وقف النار اولا، وهذا فعل وليس كلام، وفعل مطلوب في الحال العاجل الذي لا يتأخر.
ما يقال عن الدسائس الخفية لمشروع حرب الإبادة على أهلنا في غزة يتبدى ويتضح هنا وهناك من أمام وبين وخلف كل تلك الخطب والهتافات من خلف الميكروفونات وتلك الجلسات والمباحثات التي تسير سير الزواحف، هناك مؤامرة تندس في ذرات الهواء الملوث بالدخان والنار والعار وفي رخام القاعات وغرف الاجتماعات السرية والعلنية.. وكل هذا يبدو ضبابا عفنا.. ولا تبدو للناس البسطاء والشرفاء سوى حقيقة واحدة.. مجرم يمارس القتل العلني وضحية تستغيث وآخرون تقلدوا ادوار المتفرجين كل يبحث له عن غنيمة تسقط من جيب قتيل!!
