الحرب في غزة اشتعلت قبل أقل من شهر من انتهاء فترة رئاسة جورج بوش الابن. فبحلول مثل هذا الوقت بالذات وعد بوش قبل سنة تقريبا بالتوصل إلى توقيع اتفاقية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، كانت أحلام بوش ساذجة من البداية، نظرا لانعدام الاستقرار السياسي داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية.
ومع ذلك كان يبدو أن بوسع بوش، بعناده وإصراره، ممارسة الضغط على الإسرائيليين والفلسطينيين، وإرغامهم على توقيع الاتفاقية. وكان من الممكن أن يفوز بوش بأكاليل الغار كصانع سلام، ولكن تبين أن عملية السلام في الشرق الأوسط غرقت ليس في الخلافات الفلسطينية الإسرائيلية فحسب، بل وفي المشاحنات الداخلية في الشارعين الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء. وهنا لم يستطع بوش، و لا أي شخص آخر تغيير أي شيء.
بوش كان أول من أعلن من بين الرؤساء الأميركان صيغة الدولتين على أرض واحدة.. وكان هذا في السنوات الأولى من رئاسته، إلا أن حرب العراق عتمت على كل شيء. ولم تعد إدارة بوش إلى القضية الفلسطينية بشكل جدي إلا في نهاية عام 2007، وكان الوقت قد فات، وأصبحت التطورات التي حدثت في المنطقة بعد ذلك، حتمية لا رجعة فيها.
والآن ـ الحرب في غزة بمثابة النتيجة الشرق أوسطية من نتائج العام المنصرم، وفي نفس الوقت نتيجة رئاسة جورج بوش الابن. الشخص، الذي لم يحقق السلام في المنطقة، رغم أنه قلب تاريخ الشرق الأوسط من خلال الحرب في العراق، والإطاحة بنظام صدام حسين، وانسحاب القوات السورية من لبنان، وتخلي ليبيا عن أسلحة الدمار الشمال.. كل هذه صفحات مميزة في عهد بوش.
ومع ذلك، لكل من هذه الأحداث والتطورات عمليا وجه آخر، وخاصة ما يتعلق بالقضية العراقية والمسار السوري اللبناني. فإن قذف الصحافي العراقي فردتي حذائه على الرئيس الأميركي إبان زيارته الأخيرة إلى العراق، يشكل تقييما سطحيا، وإن كان ساطعا، لكل ما فعله الرئيس الأميركي للشرق الأوسط، و هذا في رأيي أقرب أعوانه والمقربين منه في واشنطن.
في احدى مقابلاتها الصحافية الختامية التي أجرتها معها وكالة «فرانس برس» وجهت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بعد أن ملت، كما يبدو، من إلحاح الصحافيين بشأن قصة الحذاء، سؤالا إلى الصحافي الفرنسي: هل تعتقد حقا انه سيكون هناك بعد 10 سنوات من يتذكر الحادث؟». وقالت إنه من المهم أن الولايات المتحدة حررت العراق من الطاغية صدام حسين، وسيكون أول ديمقراطية متعددة القوميات والطوائف في قلب العالم العربي!
من المبكر حاليا تقييم سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في عهد بوش. فلا يوجد الآن من يعرف عم سيتمخض سقوط نظام صدام في العراق، وكل جهود واشنطن لبناء الديمقراطية في العالم العربي. لاسيما أن المرتابين أكثر بكثير من المتفائلين و لزمن سيثبت من على حق.
وتكمن القضية الآن فيما تنتظره المنطقة من الرئيس الأميركي الجديد. تعول المنطقة بالمرتبة الأولى على ألا يبدأ أوباما حربا جديدة، وخاصة في الشرق الأوسط (والمقصودة، كما يبدو، إيران)، وعلى أن يضع حدا لنظرية العمليات الحربية الوقائية. كما ينتظر منه المشاركة بنشاط في التسوية في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعم المسار السوري الإسرائيلي، وكذلك التعاون مع القوى الإقليمية في قضية العراق.
وهذا يخص الأماني والرغبات، وفيما يخص الثقة، فإن العالم العربي ينتظر الرئيس الأميركي الجديد بحذر. والقضية ليست في أوباما، وحتى ليست في بوش. فالمشكلة تكمن بالنسبة للعرب، في دعم الولايات المتحدة المفرط، لسياسة إسرائيل. فهم لا يثقون بواشنطن.
وفيما يخص الإسرائيليين ـ تشغل بالهم نفس القضية، ولكن من جانبها الآخر، وكذلك مستقبل علاقات الولايات المتحدة مع سوريا وإيران: من أي شيء سيبدأ أوباما، وكيف ستكون علاقاته مع هذين البلدين اللذين يهددان أمن إسرائيل، ومن سيكون في فريقه الخاص بالشرق الأوسط. وكل هذه المسائل هامة بالنسبة للإسرائيليين. وستتوفر الأجوبة عليها في القريب.
كاتب ومحلل سياسي روسي