الحرب الإسرائيلية على غزة هي الأوسع منذ حرب عام 1967، وهذه الحرب ليست بنت يومها أو بنت أمسها وإنما خاتمة سلسلة من الإجراءات ذات الطابع العسكري التي اتخذتها إسرائيل لتدمير هذه الحركة.
البداية كانت في فرض الحصار على القطاع لتحقيق هدف إستراتيجي مهم لا يتعلق بتحجيم نشاط المقاومة الفلسطينية المنطلقة منه وممارسة الضغط على الحركة المتمردة على السلطة الفلسطينية وتجريد المفاوض الفلسطيني من ورقة ضغط هامة فحسب، وإنما لتأليب سكان غزة على الحركة التي فرضت سيطرتها على القطاع منذ تغلبت على قوى الأمن الفلسطيني التابع للسلطة الفلسطينية في يوليو من عام 2007 وطردتها منه.
لكن الحصار الطويل على القطاع والعقوبات القاسية التي فُرضت على مليون ونصف المليون من السكان الذين يعيشون فيه لم ينجحا في تأليب سكانه على الحركة، فعلى الرغم من المعاناة اليومية على مختلف الأصعدة لهؤلاء خلال هذه الفترة بقي الغزيون يشيرون بإصبع الاتهام نحو إسرائيل.
كان وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل الذي ابتدأ العمل به في التاسع عشر من يونيو المنصرم هشاً إلى حد كبير، فالحركة لم تلتزم به التزاما كاملاً كما ان إسرائيل من جانبها لم تكن في يوم ما عند التزاماتها. وحين بدأ هذا الاتفاق بالانهيار مؤخراً لم يبذل أحد من المعنيين بالاستقرار في الشرق الأوسط وبضمنهم الأميركان أي جهد للعمل على تمديد العمل به على الرغم من الزيارات المكوكية التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية للمنطقة والتي التقت خلالها مع عدد من المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب.
والحقيقة أن ذلك لا يثير الدهشة إذا أخذنا بنظر الاعتبار بأن الاستعدادات لعمليات عسكرية كبيرة في غزة، قد تتطلب التوسع في مكان آخر في مرحلة لاحقة، بحاجة إلى الكثير من الوقت وبحاجة إلى التهدئة.
فقرار الحرب التي أشعلتها إسرائيل في غزة مؤخراً وسوقتها للرأي العام داخل إسرائيل وخارجها على أنها دفاع عن النفس أمام الهجمات الصاروخية على المستوطنات القريبة من الحدود، قد اتخذ منذ أكثر من ستة أشهر وفق ما نشرته صحيفة هآرتس التي تصدر في تل أبيب في عددها الصادر في الثامن والعشرين من ديسمبر المنصرم.
فقد ذكرت الصحيفة بأنه منذ ذلك الحين جرت استعدادات وتحضيرات تفصيلية على مختلف الأصعدة وفي سرية تامة بناء على طلب وزير الدفاع أيهود باراك.
وقد جمعت خلال هذه الفترة معلومات دقيقة عن القواعد الدائمة للمقاومة الفلسطينية وميادين تدريبها والأعضاء البارزين فيها، كما وضعت خطة لتضليل الرأي العام للاحتفاظ بعنصر المفاجأة لضمان نجاح العملية.
كما ذكرت الصحيفة بأن هذه الحرب هي النسخة الإسرائيلية للعملية الأميركية التي أطلق عليها تسمية «الصدمة والترويع» التي نفذتها الطائرات الأميركية في سماء العاصمة العراقية بغداد في الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لاحتلال العراق عام 2003 حسبما ذكره خبراء قريبون من دوائر صناعة القرار في تل أبيب لهذه الصحيفة.
القادة اليمينيون في إسرائيل وبمباركة تامة من إدارة الرئيس الأميركي وربما بمباركة من قادة آخرين لا يخفون أجندتهم في غزة وهي العمل على إسقاط المقاومة وإخراجها من المعادلة السياسية الفلسطينية.
فالموقف من هذه الحركة قد حُسم منذ وُضعت في قائمة الحركات الإرهابية وأوصدت الأبواب بوجهها وحرم الحوار معها، وزادت عزلتها حين وطدت علاقاتها مع المقاومة اللبنانية وتلقت الدعم المادي والمعنوي من إيران.
التدمير الهائل الذي شهدته المؤسسات التابعة لحركة حماس والمؤسسات المدنية الأخرى في قطاع غزة قد ألحق أضراراً كبيرة جداً بالحركة مما يجعلها في وضع الشلل إلى حين، إلا أن الأضرار التي لحقت بالسلطة الوطنية الفلسطينية قد تكون أكبر من ذلك رغم أن قذيفة واحدة لم توجه ناحيتها. فالغضب العارم الذي عم الشارع العربي والشارع الفلسطيني الذي وحدته الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة قد وضعها في مأزق حرج خاصة وأنها قد ألقت باللوم على حركة حماس فيما يجري.
منذ توقيع بيان أوسلو عام 1993 على أمل الحصول على دولة فلسطينية لم تحصد السلطة الفلسطينية بعد مرور خمسة عشر عاماً غير السراب رغم تقديمها المزيد من التنازلات مما ترك الشارع الفلسطيني رغم كل التضحيات التي قدمها في أقصى حالات اليأس و الإحباط.
وهكذا ومنذ ألقت الفصائل المنضوية تحت راية السلطة الفلسطينية السلاح ودخلت ميادين الصفقات السياسية التي لم تثمر عن شيء ووقفت منتظرة ما تجود به الإدارة الأميركية من وعود، ورفضت الاستفادة من التجارب المريرة مع الإسرائيليين الذين لم يفوا بما وعدوا به، تحولت حركة حماس إلى رأس الحربة في المقاومة الفلسطينية وأصبحت الطريدة التي تتجه نحوها البنادق، وها هي تدفع ثمن ذلك وسط استنكار عالمي لا يستطيع أن يوقف ما تقوم به إسرائيل من إبادة.
لم تنجح إسرائيل في فرض أجندتها على دول المنطقة إلا باستخدام القوة الغاشمة لكونها الدولة المتفوقة عسكرياً على الدول الأخرى، وهي من هذا المنطلق ستعمل جاهدة للبقاء في هذا الموقع المتميز وستعمل على وضع العقبات أمام أية دولة أخرى تسعى إلى تغيير هذه المعادلة. فليس من المستبعد أن تكون العمليات العسكرية التي تقوم بها في غزة لإنهاء حركة حماس مقدمة لعمل عسكري آخر، في مكان آخر قريب منها.
كاتب عراقي