عشرة أيام مضت، وكأنها عشر سنوات، منذ بدء المحرقة «الصهيونية» في غزة، ولا يوجد رد فعل حقيقي يلزم «إسرائيل» بإنهاء العدوان الذي بدأته في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي، ولا يملك أي منا أن يتنبأ بتاريخ انتهائه.

المناظر التي تنقلها القنوات الفضائية لما يحدث في غزة من مجازر لا تسمح لنا بمواصلة النظر خمس دقائق متواصلة دون أن نغمض أعيننا بين حين وآخر أمام منظر الجثث المتفحمة، والأشلاء المفتتة. هذه حالنا ونحن نرى عن بعد فقط، فكيف حال الذين يعيشون هذا الأمر كواقع يومي، لا مفرّ منه سوى الموت!

المظاهرات الغاضبة عربياً وعالمياً تدلنا أن ما يحدث لا يمكن أن يُقبَل تحت أي عذر، خصوصا إذا كان العذر أقبح من الذنب؛ فالمقاومة الفلسطينية التي تريد «إسرائيل» أن تستهدفها بعدوانها الغاشم، وتزعم أنها تسعى لأن تُحَجّمها، لا تقبع في المدارس، ولا في المستشفيات، ولا في المساجد، ولا في سيارات الإسعاف، وهذه هي المواضع التي تقصفها «إسرائيل» منذ ما يزيد على عشرة أيام، لذلك فإن معظم الشهداء والجرحى كانوا من النساء والأطفال والمسنين الذين لا ذنب لهم.

القصف العشوائي الذي تبثه لنا الفضائيات على مدار الساعة لا يمكن تفسيره إلا بأنه عمل إجرامي وحشي، لا يهدف إلى تصفية عناصر المقاومة، بقدر ما يهدف إلى قتل روح المقاومة في شعب لا يملك سلاحاً آخر غيرها كي يسترد حقوقه.

ويبدو لي أن «إسرائيل» قد أخطأت ـ كعادتها ـ حساباتها إذ ظنت أنها بهذا العمل الإجرامي ستتمكن من القضاء على روح المقاومة في الشعب الفلسطيني الذي يرضع حب وطنه وحب الاستشهاد في سبيله من صدر أمه منذ أن يولد، لذلك نرى الطفل الفلسطيني لا يهاب الموت، وكثيرا ما رأينا صورة أحدهم واقفا أمام جندي «إسرائيلي» مسلح، أو أمام دبابة لا يكاد يُرى أمامها، ويرشقها بحجارته التي تعني بالنسبة له الثورة، ورمز استعادة الوطن، لأنها جزء منه.

لقد أخطأت «إسرائيل» حساباتها مع هذا الشعب بالذات، فمثل هذا العدوان لا يفت في عزيمته، بقدر ما يزيده قوة، ويشعل فيه نار المقاومة أكثر، كما أنها أثارت الرأي العام ـ ليس العربي فقط، بل والعالمي أيضا ـ ضدها بدرجة غير مسبوقة.

خروج المظاهرات الغاضبة في الشارع العربي خصوصاً، وعلى المدى الدولي عموما، يدلنا أيضا على أنه لا يزال في الكون قلب ينبض، ويتفاعل مع ما يحدث، على الرغم من كل الفتاوى الموجهة التي تحرم وتحلل وفق حسابات معينة. أَما كان الأولى لمن تسول لهم أنفسهم إطلاق الفتاوى التي لا يقبلها عقل ولا منطق بأن يقولوا خيرا أو يصمتوا؟

وإذا كان الكلام بمنطق الحلال والحرام هو اللغة التي يفهمونها، فلماذا لا يوضحون لنا رأي الدين في موقف العرب مما يحدث في غزة الآن، وما يحدث في فلسطين منذ ستين عاما؟ لماذا تنطلق الفتاوى باتجاه واحد، حتى لو استلزم ذلك ليّ عنقها كي تأتي منسجمة مع الرغبات التي ولدتها، وتنسى اتجاهات أخرى؟.. إننا كثيرا ما نضل الطريق، حتى في فتاوانا!

وإذا كان مبرر التحريم هو أن هذه المظاهرات تمنع الناس عن ذكر الله، حتى إن كانت سلمية ولا تخريب فيها ولا إفساد؛ فهل ستمنع المظاهرات الناس عن ذكر الله أكثر من حفلات الرقص والغناء والمهرجانات الفنية التي تُقام على مدار العام في كل المدن العربية، ويؤمها الرجال والنساء، الشباب والشابات، ويقضون أمتع أوقاتهم ـ بعيدا عن ذكر الله ـ حتى مطلع الفجر، ومع ذلك ها هي ذي الحفلات مستمرة، وها هي ذي المهرجانات قائمة، باختلاف الزمان والمكان، على الرغم من الفتاوى التي قالت بصوت خجول بتحريمها، وأقول «خجول» لأن هذه الفتاوى لم تأخذ مداها في التنفيذ.

وعمرها عقود طويلة، أما الفتوى الأخيرة التي ظهرت في إحدى الدول العربية فقد أخذت مداها في التنفيذ مباشرة على الرغم من أن عمرها لا يتجاوز الأيام المعدودة! وكأن الصمت الطاغي لا يكفي، فتأتي مثل هذه الفتاوى لتعززه بصمت آخر.. ألسنا نضلّ الطريق كثيرا!

لقد بثّ الموقف الثقة في نفس وزيرة الخارجية «الإسرائيلية»، ودفعها للتصريح باعتزاز بقولها: إن «إسرائيل» نجحت في إحباط مساعي الدول العربية لإنهاء العملية العسكرية في قطاع غزة.

إنها تقول ذلك دون خجل ولا وجل، ودون أن تحسب حساب تصريح كهذا، لأنها آمنة مطمئنة من جهة عدم تأثير هذا التصريح سلبا عليها وعلى «كيانها» الهجين، بقدر ما له من أثر سلبي على الدول العربية التي لا يعني «ليفني» أمرها لا من قريب ولا من بعيد، وإن اهتمت بأمرها فلن يكون ذلك إلا في سياق تخريبي كهذا السياق.

ها هي فورة غضب الشارع العربي والإسلامي والعالمي وثورته؛ فخروج الملايين من الناس تظاهرًا ضد العدوان حول العالم ليس أمرا هينا، وله أثره البالغ في «إسرائيل» التي تظن دائما أنها الأثيرة وصاحبة الحظوة عند الشعب الأميركي والشعوب الأوروبية، وهذا الإجماع على رفض ممارساتها الإجرامية، لا بد أن يفاجئها ويفجعها، وأن يكون له تأثير سلبي، ولو بعد حين.

سيستمر صوت الشارع العربي في الرفض ما دام هذا العدوان الوحشي مستمرا، وما دامت «إسرائيل» ماضية في تنفيذ مشروعها في إذلال الفلسطينيين، بعد الحصار والتجويع، بإثارة الخوف والهلع فيهم بهذا الهجوم الذي لم يترك بشرا ولا شجرا ولا حجرا، وسيستمر صوت الشارع العربي في الرفض ليوقفها ويوقف طموحاتها الكبيرة عند حد.

ومع ذلك سنبقى متسلحين بشيء من تفاؤل، وسنبقى على أمل أن يجتمع العرب على كلمة واحدة، وأن نسمع لهم رأيا موحدا، واضحا، وقويا، بصيغة «تجبر» هذا الوحش المفترس على إنهاء اعتداءاته الغاشمة..

صيغة تتجاوز شكل المبادرات الفردية التي لم يُكتب لها حتى الآن أن تؤثر كثيرا في ميزان القوى العالمي، لذلك يتجدد العدوان، وتشتد قوته، ويأتي ما بين جو وبر وبحر.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com